Get Adobe Flash player

يحق للراغبين استنساخ النصوص واعادة نشرها مع ذكر اسم الكاتب/ اضغط على اي غلاف لفتح النص

اعترافات رجل لا يستحي ! 

سليم مطر

سيرة روائية عراقية

 

إن الله لا يستحي من الحق...

إن الله لا يستحي أن يضربَ مثلاً ...

القرآن الكريم

 

تعريف بالرواية

بعد روايته الشهيرة(إمرأة القارورة)، يعود الينا(سليم مطر) بهذه السيرة الروائية الجريئة التي اثارت الاعجاب وردود الفعل المتحمسة، منذ ان نشرت فصولها في الصحف والمواقع المختلفة.

انها جديدة حقا بعدم استخدامها السرد الزمني المتسلسل الذي تعودنا عليه في السير الشخصية، بل تلجأ الى تقنية ابداعية غير معروفة حتى في الادب العالمي.. إذ اختار الكاتب ان يكشف عن حياته من خلال تناوله لموضوعات (تيمات)متميزة خصص لكل منها فصلا خاصا: الوطن، الحارة، الاب، الام، السينما، الدين، الهجرة، المرض، الابن، المحبة.. وتم ربط هذه الموضوعات بتسلسل زمني خفي اشبه بموسيقى تصاحب فلم.

لقد تمكنت هذه السيرة ايضا من تجنب الاسلوب المتبع بوصف الحقبة المعاشة اجتماعيا وسياسيا وأحداثها التاريخية، بل ركز الراوي اساسا على حياته هو ومعايشاته الشخصية الحميمة، مع وصف دقيق لأعماقه الداخلية بكل فطرتها وتقلباتها بصورة صريحة وجرأة نادرة .

من الواضح ان الكاتب يمتلك ثقافة نفسية ورهافة متميزة في تحليل الذات والولوج الى الاعماق الخفية، وقد طبقها على نفسه بكل حذاقة وتواضع..

وكل هذا باسلوب روائي ولغة سلسة وضاحة تظل كلماتها تتماوج مثل سمفونية مفعمة بحنان وطرافة وحزن وغضب، وتتصاعد حتى تبلغ احيانا ذروة التعبير الشعري.

انها حقا سيرة روائية مؤثرة وممتعة تدخل القارئ في انسيابات سحرية وتبقيه مشدودا الى السطور لساعات وساعات حتى يتفاجأ بأنه قد بلغ السطر الأخير دون ان يدري.
الى أحبائي وأصدقائي..

منذ البدء أود أن أطمئنكم، بأني لم أزل كما عرفتموني، صديقكم الطيب الذي (يستحي!) أكثر من المعتاد. لكني أيضاً كما عرفتموني، أحب الحقيقة وكشف المسكوت عنه، والصراحة التي يجب أن تبدأ مع الذات.

لهذا قررت أن أبدأ بذاتي أنا. أن أتكلم بصوتٍ عالٍ وأكشف لكم حياتي وخبايا نفسي، مثلما يود الجميع أن يقولوه عن حياتهم ولكنهم (يستحون!) فيحتبسون ويتكتمون ويتظاهرون.

نعم يا أصدقائي، في سيرتي هذه حاولت بصدق أن (لا أستحي!) من الصراحة وقول الحقيقة عن ذاتي، ولكني في الوقت ذاته حرصت على تجنب الابتذال والتسفيه والاثارة الرخيصة، لأن هدفي يبقى هو الأدب الرصين الذي يمنح الإمتاع والجمال والتفكير.

عسى أن أكون قد نجحت.. المهم اني حاولت.. ولتكن سيرتي هذه في جوهرها :

 رسالة محبة لذاتي أنا، ولكم يا أحبائي، وللحياة جمعاء..

ـــــــــــــــــــــــــ

أود أن أعبر عن امتناني لجميع الاصدقاء والصديقات، كتّاب وقرّاء، من العراق والعالم العربي، الذين اتصلوا وأبدوا اعجابهم بالفصول التي نشرتها في المواقع والصحف المختلفة، وحثوني على الاستمرار بها.. فشكراً لكم، لولا تشجيعكم لما اكتملت هذه السيرة.
ان الله لا ينظر الى أجسامكم والى صوركم، بل الى قلوبكم..

النبي محمد (ص)

محبّتي هي وزني.
القديس أوغسطين

 

أينما تتواجد المحبة تتواجد الحياة.

غاندي

لتزهو يامُحبّي كالنخلة، ولتنمو كأرز لبنان..

 

 (المزامير ـ 92/12)

<hrdata-mce-alt="الفصل الأول : الأجنبي الأبدي" class="system-pagebreak" title="الفصل الأول : الأجنبي الأبدي" />

الفصل الاول
الأجنبي الأبدي!


يقال يا أصدقائي، ان هنالك بشراً يولدون مع احساس غريزي بأجنبيتهم. أيعود هذا الى طبيعتهم الجينية المجهولة، أم الى ظروف حياتهم منذ لحظات تكوينهم في بطون أمهاتهم؟!

منذ سنوات، كنت لدى طبيب بدائلي، طرح عليَّ السؤال الغريب التالي:

ـ هل أخبرك أهلك، بأنك كنتَ طفلاً غير مرغوب به؟

لم افهم سؤاله الاّ بعد أن أعاده عليَّ بأسهاب وتوضيح. حسب تشخيصه، اني تكونت في رحم أمي من دون رغبتها، وقد حملت بي رغماً عنها. مثل هؤلاء الاطفال يتملكهم احساس بأنهم طارئون على الاهل وعلى الحياة، وانهم يشكلون عبئاً  على الآخرين. ولهذا فأنهم يمضون حياتهم وفي دواخلهم مشاعر اعتذار لأنهم هنا في هذه الدنيا، مثل ضيف ثقيل..

أنا لم أسمع أحداً من أهلي يخبرني بهذا. لكن من المعقول جداً أن أكون أنا والكثير من اخوتي، بل غالبية أطفال العوائل الفقيرة في كل زمان ومكان، أطفالاً غير مرغوب بهم، لأن امهاتهم تحمل بهم من دون قرار مسبق وهنَّ مجبرات على تحمل معاناة الحاجة وعذابات المرض وضغوطات العائلة والمجتمع. يقال أن الطفل، منذ لحظات تكوينه جنيناً يحس بما تحس به أمه وما يدور حوله من أحداث ومشاعر. انه يدرك إن كان مرغوباً به أم لا.

منذ إدراكي لوجودي في الحياة وفي البلاد، وأنا أعاني من شعوري بأجنبيتي وغربتي عن المكان بكل تجلياته: البيت والحارة والمدرسة والعمل، وصولاً الى "الوطن" تجلي المكان الاكبر. ما شعرت أبداً بأني ابن لعائلة أو لمكان وجماعة، أو لبلاد ما.. بل كنت ومازلت أشعر بأني (أنا) بكل غموضي وضياعي، لا أكثر. وذاتي في طفولتي كانت أكثر من الآن غموضاً مثل جمرة مغطاة برماد: مشاعر عار من ذاتي وأهلي والناس الذين من جلدتي. كل الذي كنت أعرفه عن هويتي بأني أنتمى لمجموعة فقيرة محتقرة من أناس بائسين اسمهم (الشراگوه) (سكان جنوب شرق العراق)! حتى هؤلاء (الشراگوه) لم أشعر يوماً بأني حقاً أنتمي اليهم.

في طفولتي كان أهلي يسخرون مني قائلين بأني لست ابنهم بل وجدوني مرمياً في مزارع الجت الواقعة في أطراف منطقتنا (الشاكرية). وكنت اصدق إدعائهم بأجنبيتي، وبقي هذا الاحساس مستحوذاً عليَّ لسنوات طويلة، حتى أني عشقت حكاية (النبي موسى) الذي هجره أهله وهو رضيع ليخلصوه من القتل ووضعوه في سلة في نهر النيل لتعثر عليه عائلة الفرعون، فتم تبنيه وأصبح ابناً للملك. انها حكاية كان يرددها أبي، ممزوجة بتلك الحكايات التي يتناقلها العراقيون عن أطفال الفيضانات الذين يعثر عليهم في مهودهم الطافية. فكان يحلو لي أن أتخيل بأني يقيناً كنت طفلاً لعائلة غنية فقدتني في طوفان ما، فتسرح بي أحلام اليقظة عن ذلك اليوم الذي سوف أعثر فيه على عائلتي الاصلية المفقودة.

ان الذي عمق لديَّ هذا الاحساس بأني طارئ وثقيل، ان أمي سرعان ما تخلت عني لتهتم بمن أتى من بعدي. ثم أصبح الامر أكثر عذاباً، عندما بدأت منذ سن السادسة أشتغل مع أبي في حانوته. كنت اعيش في الحانوت ليل نهار، ولم أعد أرى البيت والعائلة وأمي بالذات الاّ قليلاً من الوقت في اليوم.

بل ان شعوري بأجنبيتي، لم يكن نحو بلادي وشعبي فحسب، بل كان يشمل الارض جمعاء. فأنا منذ تعلمي القراءة والكتابة، تعلقت بقراءة مجلة (سوبرمان) التي كنت أشتريها سراً خوفاً من أهلي، إذ كنت اقتّر على نفسي من يوميتي التي لا تتجاوز الـ (عشرة فلوس)، لكي أجمع (خمسين فلساً) وأشتريها كل خميس، وكانت تأتي من (بيروت). لقد استحوذت عليّ حكاية (سوبرمان) القادم من كوكب بعيد اسمه (كربتون)، حيث تمكن والده العالم الكبير، أن ينقذه وهو طفل من مصير الدمار الذي يحيق بجميع سكان الكوكب لقرب اصطدامه المحتم بكوكب آخر. في آخر لحظة، تمكن الاب أن ينقذ ابنه بأن أرسله في صاروخ أخذه بعيداً في الكون، الى أن سقط  سالماً على كوكبنا الارضي في مزرعة زوجين طيبين تبنياه وأصبحا أبويه. بما ان هذا الطفل كان قادماً من كوكب بعيد، اكتسب قوى جبارة تجعله يطير بأسرع من الضوء، ولا تؤثر فيه حتى القنابل الذرية، ويستطيع بنفخة منه أن يحدث أكبر العواصف، وبنظرة من عينيه الخارقتين يشعل أكبر الحرائق، وبدفعة من ذراعيه يجعل الكرة الارضية تدور عكس اتجاهها. لكنه رغم كل هذه الصفات العظيمة، بقي طيب القلب، يقع في الحب ويخلص لوالديه ويتعلق بأصدقائه وتدمع عيناه لآلام البشر، فيكرس حياته لمكافحة الجريمة ومساعدة الناس.

استحوذت عليَّ حكاية (سوبرمان) واقتنعت بأني مثله قادم من كوكب آخر، ولا بد أن يأتي اليوم الذي ستبزغ فيه قواي الجبارة لكي أساهم بالقضاء على الشر ونشر الخير على الارض. رحت أمضي وقتي بالتدرب على التسلق والقفز واتقان الشقلبات الخطيرة، لكي أهيء نفسي للمغامرات العظمى التي تنتظرني. وقد تمكنت من تدبير قطع أقمشة قديمة لخياطة بدلة سوبرمان الخاصة. اقنعت اختي الصغيرة (احلام) أن تشاركني التدريبات القاسية على أمل أن نتدبر أمرها لكي تصبح معي (سوبرومن ـ المرأة الجبارة)!

*   *   *

ان الاغتراب عن الواقع، حالة طبيعية يعاني منها كل البشر. فالانسان بالنتيجة، مهما ارتبط بالناس الذين حوله وامتزج بهم، الاّ أنه يبقى في أعماقه كائناً فردياً يعيش داخل بدنه وكيانه الروحي الخاص به. لكن درجة هذا الاغتراب وحدَّته تختلف بين شخص وآخر، حسب مقدار المحبة وظروفها والاعتراف الذي نالها من أهله ومجتمعه. كلما عانيت الحرمان في طفولتك، شعرت بالاغتراب في كبرك..

أما أنا فقد أمضيت طفولتي في حالة متطرفة جداً من الاغتراب والاجنبية عن كل ما يحيطيني، مع شعور بالعار من أهلي وأبناء جلدتي:

ـ في حينا السكني، كنت فقيراً مع أهلي، محتقراً في مجتمع أغنياء متعالين.

ـ  في حانوت أبي، كنت صغيراً في مجتمع كبار من شرطة ومعتقلين.

ـ  في مدرستي كنت مسلماً وسط أصدقائي المسيحيين.

ـ في وطني كنت حالماً بين شعب لا يحتمل الحالمين.

ـ بل حتى في الارض جمعاء، كنت "سوبرماناً" غريباً قادماً من كوكب بعيد مجهول..     

أشد ما كان يشعرني بأجنبيتي أحاسيس العار اللعينة، من  أصل أهلي وأبناء جلدتي. كل ما يحيط بنا كان يصرخ بعنف وقسوة: ((أنتم شراگوة متخلفين.. فقراء همج.. كل ما فيكم يستحق الاحتقار والشعور بالعار، شكلكم المحروق بالشمس، ولهجتكم الريفية، وثيابكم البدائية، وبيوتكم الطينية، وحتى  أكلاتكم وتقاليدكم وأسمائكم التافهة المضحكة الغبية..))!!

أتذكر اختي الطيبة الكبرى (ليلى) التي أعلنت في أول شبابها تبنيها الثوري لموضة الحداثة الغربية السائدة في الستينات. كانت متمردة تتأمل بحسن نية تخليصنا من معاناتنا، من خلال تذكيرنا الدائم: (لازم نتطور ونتمدن وما نبقى همج متخلفين مثل الشراگوة). أما خطوتها الاصلاحية العظيمة فتمثلت بارغامنا على التخلص من لهجتنا الجنوبية (المخزية)! والنطق باللهجة البغدادية (المدنية المتطورة الأنيقة)! راحت تفرض علينا أن نقول (ماما.. بابا) بدلاً من (يما .. بويا). ولكن بعد محاولات صعبة، توصلت عائلتنا المحترمة الى حل عقلاني وسط بين النطقين: (يوم .. يابا)!

خطوتها الجريئة الثانية كانت بتخليها عن (العباية) العراقية السوداء وشروعها بالخروج سافرة. أما الخطوة الاصلاحية العظمى، فكانت بنجاحها في اقناعنا بتخلينا عن ثيابنا التقليدية (الدشاديش) التي كنا نرتديها في البيت وفي الحارة وأثناء العمل في الحانوت. تعلمت أختي الطيبة من صديقاتها كيف تخَّيط  لنا (البيجامات المقلمة) فرحنا نتمختر بها أمام جيراننا (أصحاب الدشاديش المتخلفين). وما زال يراودني ذلك الشعور بالانتعاش والفخر حينما ارتديت لأول مرة بيجامتي ورحت أسير بها بتأن ورقة متقمصاً شخصية المغني المصري (عبد الحليم حافظ) في فلمه الرومانسي الشهير (الخطايا).  

*     *     *

في سن السابعة، اضطر أهلي الى ترك منطقة (الشاكرية) أحد أحياء المهاجرين في أطراف بغداد، بعد ان أمرت الحكومة بهدم بيوتها الطينية. بعد تنقلات فاشلة عديدة لدى أقارب لنا في مناطق مختلفة، تمكّنا من تأجير بيت طيني في (منطقة السعدون) الراقية، قريباً من حانوت أبي. كانت مجموعة بيوت طينية محشورة في مساحة صغيرة ومحاطة بسياج، ويطلق عليها (خان حسن والي). كان هذا الخان أشبه بجزيرة بائسة في بحر من الغنى: مجموعة بيوت بائسة محاطة بقصور فخمة يقطنها أغنياء بغداد. من هنا يطل علينا قصر سفير الكويت، ومن هناك قصر أحد أغنياء الموصل، ومقابلنا قصر(المقاول يعقوب منصور) بزوجاته الاربع وأبنائه الذين لا يحصى عددهم.

وأنا في السادس الابتدائي انتقلت عائلتي من منطقة السعدون الى شمال بغداد (مدينة الحرية)، بعد أن حصلنا على بيت صغير من الحكومة. تباعدت المسافة بين سكننا الجديد وحانوت أبي، وصارت تستغرق وقتاً بالتنقل عبر الباصات. ثم اني سجلت في مدرسة مسائية لكي أستطيع أن أساعد أبي أكثر في عمله بعد أن صار مسنّاً. بدأنا، أنا وأبي نبيت في الحانوت طيلة الاسبوع، ولا نذهب الى البيت الاّ مساء الخميس لنمضي عطلة الجمعة. لم أستطع التطبع على مجتمع (مدينة الحرية) وبقيت مرتبطا بمجتمع طفولتي في (السعدون والبتاوين). مع مرور الزمن كانت الشقة تتباعد بيني وبين عائلتي، وكنت أشعر بالغربة عنهم كلما عدت يوم الجمعة، فسرعان ما كنت أشعر بالحنين الى مجتمعي الاول.

كلما مرت أعوام الطفولة والمراهقة والشباب الاول، تفاقم شعوري بأجنبيتي عن أهلي وعن بلادي. لم أصادف أي شخص أو جهة أو كتاب علَّمني محبة الوطن. حتى الكتب المدرسية لم تدفعني للانتماء الى بلد اسمه العراق.

من المؤسف ان التنوع الديني والعرقي الذي عشته أنا ويعيشه معظم أبناء بلادي، لم يكن عاملاً للغنى الروحي والتآصر الوطني، بل كان على العكس، سبباً للمنافسة والشعور بالغربة بين هذه الاطياف. والسبب يعود الى الثقافة الرسمية القومية السائدة في الشارع وفي المدرسة، والتي ظلت تؤكد على الخصوصيات القومية والتمايز العرقي والثقافي بين جماعات الوطن، وتحسب العراقي الحقيقي هو العربي الحقيقي الاصيل قبائلياً والنقي عرقياً والذي لا بد ان ترجع أصوله الى الحجاز واليمن والى السيدين الشهيرين قحطان وعدنان! لم يعلمنا أحد بأننا أبناء نفس الوطن ولنا نفس الواجبات والحقوق، ورغم فروقنا الدينية والمذهبية واللغوية هنالك ما لايحصى من العوامل الروحية والجغرافية والتاريخية والثقافية وحتى العرقية التي تجمعنا وتصهرنا في كيان وطني وانساني واحد.

المدرسة ومعها وسائل الاعلام كانت كلها تتحدث عن (الامة العربية) ذلك الكيان الاكبر والاعظم من الكيان العراقي الذي يحسبونه وقتياً ومصطنعاً. كانت (الامة العربية) بالنسبة لخيالي عالماً هلامياً ضبابياً، يتردد عبره خصوصاً أسم مصر(أم الدنيا) ومعها جمال عبد الناصر وأم كلثوم وأبطال السينما الكبار مثل فريد شوقي ورشدي أباظة وأحمد رمزي غيرهم.

كانت غالبية المجتمع الذي يحيطني ليست لها علاقة بهذه الامة العربية: أخوتي السريان الذين ينطقون بلغة غير العربية وديانتهم هي المسيحية. ثم هنالك الاكراد والتركمان الذين كانوا (مسلمين) مثل أهلي، لكنهم أيضاً يتحدثون فيما بينهم بلغات غير العربية. اذن من هؤلاء، وما هو الذي يجمعني اليهم، وكيف حصل انهم يشاركونني معظم تفاصيل الحياة، من مدرسة ومنطقة ومشاعر ومشاغل وأحلام مشتركة؟!

كان الشعور بالغربة عن بلادي وأهلي ومجتمعي، يؤلمني ويجعلني أحس بأني منبوذ محتقر مقتلع بلا جذور تشدني الى الارض.

أدرك الآن أني بالحقيقية كنت في أعماقي، أحلم بالعائلة، بالجماعة، بالامة الكبرى التي تعترف بي وتضمني اليها إبناً وعضواً فعالاً فيها.  

*      *       *

ان بلاد الانسان هي أمه، ودولته أبوه.

الوطن هو أم، لأنه أرض وغذاء وحاجات ومشاعر وهموم حياة واقعية معاشة.     

الدولة هي أب، لأنها سلطة، شبكة علاقات وأفكار وقوانين وأخلاق وواجبات وموانع وسلطة بكل درجاتها ومعانيها الاجتماعية والسياسية والدينية، منذ سلطة الاب وباقي الكبار، حتى سلطة المعلمين والاداريين والحزبيين والفقهاء.  

نعم إن طبيعة علاقة الانسان مع أمه وأبيه، تحدد طبيعة علاقته مع وطنه ودولته، أرضه وشعبه وثقافته ودينه.

أنا، علاقتي بوطني ودولتي ظلت دائماً غريبة الاطوار مثلما هي علاقتي مع أبواي.

كنت بسذاجة الشباب وحماسته البريئة، أحسب أن ثورتي ضد الدولة وتوابعها السياسية والاخلاقية والدينية كانت حقاً ضد الدولة، لكني الآن أعترف بأنها في حقيقتها كانت ضد أبي وكل رموز الفحولة في بلادي التي ما كفَّت عن قمع ذكورتي .

كنت أحسب أن كفاحي لتحرير الوطن والدفاع عن كرامته وراحته، كان حقاً من أجل الوطن، لكني الآن اعترف بأنه في حقيقته كان من أجل الثأر لأمي التي عانيت من عجزي عن حمايتها من قمع أبي.    

بعد تجربة قصيرة في تنظيمات الطلبة البعثيين في أول سن المراهقة، ارتبطت قبل سن الثامنة عشر بالتنظيم العمالي للحزب الشيوعي العراقي، عندما كنت أشتغل عاملاً في (مخازن الشالجية) التابعة لسكك حديد بغداد. الشيوعية كانت ثورة كبرى في حياتي، ليس من الناحية السياسية والثقافية فحسب، بل خصوصاً من الناحية النفسية الاجتماعية، إذ صار الحزب هو عائلتي الجديدة التي تجمعني اليها روابط المحبة والتضامن والهدف الثوري المشترك. كأني كنت وحيداً غريباً يتيماً تائهاً ووجدت ضالتي في الحزب. أصبح هو كل عالمي، حاضري ومستقبلي. وزاد من انتمائي اكتشافي أن لعشيرتي الشيوعية هذه، فروعا كبيرة وعظيمة في أنحاء العالم، فهنالك شعوب المعسكر الاشتراكي الجبار، بالاضافة الى جميع الاحزاب الشيوعية في العالم اجمع.

آه لو تعرفون، أي سعادة غامرة رحت أشعر بها حينذاك. عالم جديد انفتح أمامي لم أتخيله أبداً، في أكثر أحلامي جرأةً وخيالاً. أنا الجنوبي البائس الفقير الذي كان يحلم ولو بعائلة صغيرة تضمني وتعترف بي، أجد نفسي فجأة بين عائلة أممية كبرى تضم اليها أعظم الشعوب الاوربية المتطورة الشقراء وأكبر المبدعين الناطقين بلغات كبرى: لينين وماركس وأنجلس وكاسترو وماو، وما لا يحصى من المثقفين والعلماء والسياسيين والمناضلين العظام.

لكن مشكلة هذه الشيوعية، لم تعلمني أبداً محبة بلادي، بل على العكس، ما علمتني سوى نقدها والاستنكاف من تراثها وتاريخها والتمرد على دولتها ومجتمعها. طيلة سنوات انتمائي للحزب، مع مئات الاجتماعات الثقافية التي حضرتها ومئات الكتب والوثائق والمقالات التي درستها، لم أصادف مرة واحدة موضوعاً واحداً يتعلق بتراث العراق ولا تاريخه الحضاري المعروف، لا الاسلامي ولا القديم، ولا ناسه ومدنه وقراه وعشائره وأقوامه وأديانه ومذاهبه. كل الذي تعلمناه عن بلادنا هي نضالات الحزب الشيوعي (طليعة الطبقة العاملة) وانتفاضات الفلاحين والقضية الكردية. مقابل هذا كنا نتعلم ليل نهار الاعجاب الى حد العبادة والوله بمجتمعات روسيا وعموم الاتحاد السوفيتي وباقي الدول الاشتراكية. أما مجتمعنا العراقي فلا يذكر الاّ بصورة نقدية فضائحية تشير فقط الى عيوبه وتخلفه ورجعيته: تقاليده وأديانه ومذاهبه وجميع مواريثه الشعبية.. فكنا نردد بكل فخر وفجاجة مقولة ماركس الشهيرة: (العمال لا وطن لهم).. وكان يبلغ بنا الانسلاخ، اننا كنا نشجع فريق الكرة القادم من دولة اشتراكية ضد الفريق العراقي! هكذا تعلمنا كيف تكون (الاممية) نقيض (الوطنية)..

حتى سن المراهقة، كانت عائلتي هي بلادي، وكل ما هو خارجها يعتبر أجنبي غريب لا يكف عن تحسيسي بالعار من هويتي وإنتمائي. وحينما انتميت الى الحزب الشيوعي، أصبح هو عائلتي الكبرى الجديدة. أخذت أشعر بالفخر والكبرياء بعائلتي (الشيوعية) الجديدة إزاء محيطي الاجتماعي الذي صرت أعتبره متخلفاً رجعياً تتوجب الثورة عليه وتغييره جذرياً.

حتى هَجري لبلادي، في أعماقي الدفينة، لم يكن العراق هو بلادي، بل الحزب الشيوعي نفسه!

إنَّ مرحلتي الشيوعية، علمتني الانتماء الى كل بلدان العالم، عدا بلادي!

*    *    *

منذ سن المراهقة، كنت مثل الكثيرين من جيلي أحلم بالسفر الى اوربا. والحجة السائدة هي البحث عن الحرية والنساء ومتع الجنة الموعودة. لكني ادرك الآن، اني في اعماقي كنت أبحث عن عائلة عن انتماء، عن وطن يأويني وشعب يعترف بي إبناً له.

أشد ما كان يرعبني أن اتخلى عن أهلي، خصوصاً أنهم كانوا يعانون من الوضع الاقتصادي الصعب. كان أبي مقعداً مريضاً وأمي تتشكى دائماً من أوجاعها التي لا تنتهي، وأخي الكبير (قيس) الذي كان عسكرياً يعاني من ثقل مسؤوليته التي لا تنتهي بالتكفل بمعيشة العائلة، ويرغب بالاستقلال عنا وتدبير بيت الزوجية. أما أختي الكبيرة (ليلى) فأنها قد أصبحت ربة عائلة مستقلة، بينما أخي الاكبر(راضي) قد بدأ يشتغل مثلي موظفاً لكنه ظل على عادته مختبصاً بأموره الخاصة. لهذا كنت أشعر بأهمية مساهمتي في معيشة عائلتنا المتكونة من أمي وأبي وأخوتي الصغار، أحلام وطارق وليث وقائد.

ثمة مسألة عاطفية قد أضيفت الى باقي أسباب ترددي بهجر بلادي وعائلتي. لم تكن قصة حب وارتباط بفتاة كما هي عادة الشبان في كل مكان وزمان، بل سبب عاطفي آخر لا يخلو من الطرافة: لقد تعلقت بأخي  الصغير(قائد)، الذي كان آخر العنقود حيث ولد عام 1973، فوجدت نفسي أقوم بدور الأب وجعلته قبلة حناني وأحلامي الكبرى بخلق انسان نموذجي متخلص من معاناة طفولتي وتشويهات تربيتي.  

هكذا شكلت عائلتي من حولي شبكة معقدة من مشاعر المحبة والمسؤولية التي كان من المستحيل عليَّ التخلص منها. كنت موظفاً في وزارة الصحة نهاراً وأدرس مساءاً.  أدفع لأهلي نصف راتبي البائس البالغ (40) ديناراً، وأضطر الى تمضية نهاراتي وأمسياتي بعيداً عن الدار في اجتماعات ولقاءات حزبية، أتغذى على سندويشات الفلافل أو قطعة خبز ومشروب بارد. رغم اني كنت موظفاً فأني كنت أعيش بمستوى الكفاف، حيث أشتري الملابس المستعملة (اللنكات)، وأنتظر نهاية الشهر لكي اقبض راتبي وأسمح لنفسي أن آكل مع أصحابي قطعة دجاجة في مطعم.

لكني رغم الظروف التي كانت تحتم بقائي في بلادي، كنت في أعماقي الدفينة أحلم وأحلم بأني سوف أهاجر يوماً الى اوربا. وقد اتى ذلك اليوم، نهاية السبعينات، حينما بدأ الحزب الشيوعي يشجع رفاقه على الهجرة الى الخارج هرباً من قمع النظام. معظم أصدقائي ورفاقي، أما هاجروا الى الخارج أو اختفوا في الداخل.

لم تكن أسباب القمع كافية لدفعي الى الهجرة، إذ بقيت متردداً خاضعاً لتأنيب ضميري من هجري لعائلتي المحتاجة لي اقتصادياً وعاطفياً، والتخلي عن حزبي في محنته التاريخية. لكن استفحال القمع واقتناعي بأني في حالة القبض عليَّ يمكن ان أتعرض لحكم الاعدام بسبب ارتباطي السابق (أيام المراهقة) بالتنظيم الطلابي لحزب البعث لفترة وجيزة، ثم تحولي الى الحزب الشيوعي. كما هو معلوم كان هنالك قانون يحكم بالاعدام على كل بعثي يترك حزبه ويرتبط بحزب آخر.

*    *    *

أواسط عام 1978 قدمت استقالتي من وظيفتي، وبعد أشهر تدبرت جوازاً، ومن دون أن أخبر أهلي، سافرت. هجرت بلادي وأنا أعلن لنفسي وللآخرين بأني سأعود.. مع رفاقي قريباً سأعود. انها رحلة وليست هجرة، لكي نعود لنحرر بلادنا من النظام الدكتاتوري ولنبني نظامنا الاشتراكي. نعم هكذا كنا ندَّعي وهكذا كنا نحلم، نحن شباب الحزب الشيوعي، ولم يخطر ببالنا أبداً انها ستكون رحلة طويلة طويلة تدوم أعوام وأعوام، بل طيلة الحياة  بلا عودة!!  

هجرت العراق وأنا لم اكتشف منه فعلياً غير مدينتي بغداد. حتى أهوار الجنوب التي عرفتها هي وناسها من خلال حكايات أبي التي لا تحصى، وكأني عشت فيها، لم أزرها أبداً. لكن مفارقة إزدواجيتي، جعلت مني بعد هجرتي، متخصصاً في بلادي. جميع كتاباتي، أدب أو تحليل، كلها تتمحور حول بلادي، كأني طبيب لم يزر مستشفى!

تراني هنا في غربتي أمضي أيامي بتفكير لا يكل الى حد القلق والمرض بما تعانيه بلادي، لكني في أعماقي أحس بغربة عنها وبنقمة عليها كبلاد شؤم ونحس. قد تجذَّر ذلك الانتماء اليها في أعمق أعماقي بحيث اني كرست كل كتاباتي منذ أن أصبحت كاتباً من أجل إحياء هويتها الممزقة المنسية، لكني أمضي وقتي بالدعاء الى ربي أن يخلصني منها ويساعدني على تناسيها، كأني مدمن ممزق بين حاجة لا تقاوم ورغبة بخلاص.

آه لو تعرفون كم من الشخصيات تمر في روحي وكم من الامزجة المغايرة تتملكني في اليوم الواحد. تتقلب روحي مثل مياه محيط شاسع، بين هدوء خلاب وانفجار عاصف. ان روحي سمفونية مجنونة، تتهادى موسيقاها، بين عزف وديع حنون وصراخ غاضب معتوه..

اني اعترف، مهما كانت الاسباب الظاهرة القاسية التي أجبرتني لهجر بلادي، الاّ أن السبب الحقيقي الكامن في أعماقي هو حاجتي الى المنفى ووطن الغربة، لكي أبقى هكذا كما كنت دائماً، في علاقتي مع بلادي ومع الارض جمعاء، مثلما أنا في علاقتي مع أمي وأبي ومع ذاتي :
أجنبي أبدي

 

<hrdata-mce-alt="الفصل الثاني : هنا ترقد الشاكرية , بلادنا العابرة" class="system-pagebreak" title="الفصل الثاني : هنا ترقد الشاكرية , بلادنا العابرة" />

الفصل الثاني
هنا ترقُدُ الشَّاكرية، بلادنا العابرة..



يا أصدقائي، لعلكم تتفقون معي، بأن بلاد الإنسان الأولى هي مرابع طفولته، لأن وعي الطفل لا يدرك من الوجود، غير ما يراه بعينيه ويعيشه في حياته اليومية، فبلاده بالنسبة إليه، لا تتعدى حارته أو قريته.

كانت (الشاكرية) هي بلادي الأولى، إذ ولدتُ وعشتُ فيها حتى سن السابعة. هي مدينة فقيرة نبتت مثل الفطر، في أواسط القرن الماضي، عند أطراف حي بغدادي غني ومعروف اسمه (كرادة مريم). آلاف العوائل نزحت من الجنوب، وبالذات من ريف العمارة، وبنت بيوتها على عجل من طين وتبن وسعف وبواري (حصر قصبية).  

لعل ذكرياتي الأولى عن الشاكرية تعود إلى سن الرابعة (1960). كنا زمرة الأطفال الحفاة، في طريقنا إلى ضفاف دجلة (الشط)، نضطر إلى اجتياز منطقة (كرادة مريم) المحاذية، بوجل وعجل، كما يجتاز الكبار حدود البلدان الأجنبية. كنا نشعر بأننا نجتاز بلاداً أخرى، بقصورها الفارهة وكنيسة الأرمن الكبيرة الخلابة وسياراتها النظيفة، ورجالها مدنيون تقدميون أفندية بثياب عصرية، ونساؤها سافرات أنيقات بيضاوات حمراوات صفراوات مثل حوريات الجنة. يختلفون عن أهالينا الشرگاوية التعبانين، وآبائنا المعـگلين (لابسي العقال) المتخلفين، وأمهاتنا اللواتي مهما كنَّ جميلات أو بيضاوات، فإنهن يبدون بعيوننا ملحات كالحات شاحبات، لأنهن مبقعات بحزن وفقر وسواد. وعندما سألتُ أخي الأكبر (قيس) عن سرِّ البشرة الرقيقة البيضاء التي يتميز بها هؤلاء المدنية، قال لأنهم يغتسلون يومياً بالحليب. فعاهدت نفسي، عندما أكبر وتصير عندي فلوس، بأني سأغتسل يومياً بالحليب. وكم أصبت بالخيبة، عندما بلغت أوروبا فوجدت الناس، على العكس، يدفعون الفلوس، لكي تكتسب بشرتهم الاسمرار بأشعة شمس طبيعية وصناعية!

نحن أطفال (الشاكرية) كنا نقتنص فترات الظهيرة، حين يهجع أبناء (كرادة مريم) إلى قصورهم، لكي نجتاز بلادهم بسرية وخوف ونحن حفاة راكضين، بحثاً عن ضفاف دجلة. نجتمع تحت (جسر الجمهورية)، في المكان الذي تحول فيما بعد إلى وزارة التخطيط، ونطلق الصرخات لكي يرجع إلينا صداها، ونقذف طيور الماء بالحجارة، وننتسلق أعمدة الأسس العملاقة، ونبحث في المزابل عن لقى نادرة، تخلى عنها الأغنياء سهواً، فنعثر على دگم (أزرار) مذهبة تضعها أمهاتنا في ثيابنا المرقعة، وأدوية طيبة المذاق، نشربها ونأكلها كقطع حلوى، وجنين طفل نغل (لقيط) بعناه بخمسين فلساً لساحرة عوراء تصنع منه تعاويذ إخصاب لعذارى في ليلة عرسهن.

كنت عموماً منسجماً مع حياتي في (الشاكرية) بلادي الصغيرة. كنا جميعاً نتشابه في حياتنا، ولم أشعر بأني أنا وعائلتي كنا بائسين، لأني كنت أشاهد الجميع يعيشون البؤس نفسه، ولهذا لم أعرف أنه كان بؤساً. كنا جميعاً نسكن في بيوت من طين، يصنعها أهلنا أمامنا من الأرض نفسها التي نسكن عليها، وقد شاركت أبي بضعة مرات في إعداد خميرة الطين والتبن من أجل تعمير حوشنا (بيتنا) وتصليحه. كان حوشنا يتكوَّن من حجرتين، واحدة تقوم بمهمة مخزن أغراض ومطبخ وحمام ومنام أختي الكبيرة ليلى وحبوبتي (جدتي) روبية، حينما تزورنا بعد تجوالها على بناتها الثلاث عماتي الشهيرات (نوعية وصبرية ومكية). أما الحجرة الثانية، فكانت لحياتنا كلها ليلاً ونهاراً، نعيش فيها وننام جميعاً، أمي وأبي على ﭼربايا (سرير) في طرف الحجرة، ونحن الأخوة الخمسة ننام على الأرض فوق بساط واحد وغطاء واحد.

نحن أطفال الشاكرية كنا جميعاً نحمل في أبداننا النحيفة أكواماً من أمراض العالم الثالث: البلهارسيا والملاريا والتيفوئيد، وأمراض عابرة تحلّ فينا وترحل عنا دون أن ندري بها. أصابتني جميع هذه الأمراض، واجتزتها بنجاح باهر. وعندما كان يستعصي شفاؤنا، تأخذنا أمهاتنا إلى (الإمام الكاظم) لكي يلفَّ السيد على معاصمنا علگ(خيط) أخضر من راية الإمام الحسين، لكي يحمينا ويشفينا.

وكان عزرائيل، ملاك الموت، يأتينا ضيفاً عادياً بين حين وآخر، فكانت أمهاتنا ينجبن الأطفال في كل عام مثل البزازين (القطط)، ومثل البزازين أيضاً كان يموت الكثير منهم. أمي أنجبت (13) طفلاً، مات منهم خمسة، عدا الكثيرين الذين أسقطوا قبل الاكتمال، وبقينا نحن الثمانية: ليلى وقيس وراضي وأنا الأصغر حينذاك، قبل أن يأتي فيما بعد أخوتي الأربعة: أحلام وطارق وليث، ثم بعد سنوات طويلة، وقد تجاوز عمر أبي السبعين، أتانا بزر الگعدة (آخر العنقود) أخي قائد. وقد شاهدت بعيني لأول مرة في حياتي، وأنا في سن الخامسة، موت أختي الرضيعة (أنعام) الجميلة، التي كنت ألاعبها بمحبة بديلاً عن دمية لم أحصل عليها. قد يكون (قلق الموت) الذي رافقني طيلة حياتي، قد بدأ عندما شاهدت أمي تمرِّغ نفسها في التراب، وتطلق نحيبها الذي يفطر القلب، وأختي ليلى تحتضن أنعام. ثم مشهد أبي يبكي، وهو يحمل الرضيعة، مكفنة بين يديه، محاطاً بأبناء الحارة، وعويل أمي وأختي، ليدفنها بعد سكة القطار في (مقبرة مريم) عند الجتة (مزرعة الجت). حتى الآن، يُخَيَّلُ إليَّ أحياناً رؤية ملامحها الرقيقة الطيبة في وجوه بعض الصغيرات.

وعندما كنا ننجو من تلك الأمراض، كان ملاك الموت يجذبنا إلى أماكن عديدة كثيرة لكي يقبض أرواحنا: مستنقعات المياه الآسنة، التي كنا نسبح فيها مع الكلاب والجواميس، والشاحنات والقطارات المارقة، كذلك في نهر دجلة القريب. حتى الآن، وسوف تظل إلى الأبد صورة (أم فلاح)، تلك الأم الجنوبية، ذات العيون الزرق وهي تعول وتبكي بحثاً عن جثة ابنها (صلاح) الذي ابتلعه النهر. صديقي (صلاح) ذلك الطفل الأبيضاني الجميل. كنا في الصباح قد تسللنا خفية بعيداً عن عيون أمهاتنا إلى الشط، نبحث عما يجلبه لنا النهر من حاجات طافية. فجأة انتبهنا إلى صلاح وهو يستغيث بنا، ولا أحد يعرف كيف انزلق في النهر. كنا مندهشين متجمدين، لا نعرف ماذا نفعل، ونحن نشاهد الخوارة (دوامة الماء) تبتلع صديقنا. بقينا نبكي ونستغيث بالله والناس، حتى غاب عنا صلاح إلى الأبد. بقيت (أم فلاح) تجول هائمة عند ضفاف النهر لأيام وأيام، تنادي ولدها المفقود، حتى تمكَّن غواص من العثور على جثته في زاوية من النهر.  

كان آباؤنا يذهبون صباحاً إلى أعمالهم، شرطة وفراشون ومنظفون وبناؤون، كذلك عسكر يموتون في حروب تحدث في أماكن مجهولة بعيدة. وكنت أسمعهم أحياناً، حينما تأتي جثة عسكري قتيل، يرددون أهزوجة شائعة: طرگاعة لفت برزان، بيَّس بأهل العمارة (مصيبة تقع على برزان، قسى على أهل العمارة). وكان من الطبيعي جداً أن يتقاتل آباؤنا فيما بينهم، فنسمع كل ليلة صوت طلقات نارية، قد تكون لطرد اللصوص أو لاغتيال شخص ما.

رغم المحبة والتعاطف والتعاضد بين الناس، هنالك أيضاً خوف وحذر. فأول شيء تعلمته مما يسمى بـ (النضال السري)، عندما أخبرني أهلي بأنه عليَّ أن أخفي سرَّ انتمائنا إلى عشيرة (الحلاف)، لأن في ذلك خطر علينا. فعشيرتنا المنتشرة في جنوب العراق، هي مثل كل عشائر الوطن لها ثارات معروفة ومجهولة. ففي الشاكرية، كثيراً ما كان يحدث أن يتم اغتيال شخص ما لمجرد انتمائه للعشيرة الفلانية، لأن أحد أبناء عشيرته قد ارتكب جريمة ضد أحد أبناء عشيرة أخرى تقطن في الجنوب.

نحن أطفال الشاكرية، كنا نجتمع مع أمهاتنا عند حنفية الماء الوحيدة التي تتغذى على مائها مئات العوائل. نغسل الأبدان والثياب والأواني قرب الحنفية. وكنا أيضاً جميعاً نجتمع عند سكة حديد خط البصرة، لكي نلوح بأيدينا إلى ركاب القطارات العابرة، ونضع قطعة الفلس الأحمر على السكة، لكي تتمدد وتكبر بعد مرور القطار عليها. ونتبادل الاتصالات عبر بوريات (أنابيب) النفط العملاقة التي يعادل قطرها حجم طفل، والممتدة على طول السكة. وحينما نملّ، نضع التبن والبيض على السكة، آملين أن ينزلق القطار. لكن القطار لا ينزلق، ونحن لا نفقد الأمل، فنعود لسرقة البيض والتبن لنضعه على السكة، وحينما يمرّ القطار نغمض عيوننا وأكفنا على قلوبنا الهلعة وننطوي على أبداننا المقشعرة من خوف وترقب، ونطلق صرخات نشوة جنونية تمتزج بهدير وصرير القطار المارّ، ونحن ندعوا الله أن ينقذه هذه المرة أيضاً، فنفرح عندما نكتشف أنه قد استجاب لدعواتنا.


*     *      *


نعم يا أصدقائي، الشاكرية جذوري وطفولتي وبلادي الأولى، وكثيراً ما يحدث وأنا في عمري الحالي، أن أهرب إلى ذكرياتها عندما أشاهد تعلق الآخرين في أوطانهم. منذ فترة، كنت أتمشى عصراً في أزقة مدينة (جنيف) القديمة، فوجدت نفسي أمَّر بموكب كبير لمحتفلين بأحد الأعياد الوطنية، كبار وصغار مبتهجين صارخين وسط غناء وموسيقى عسكرية. ثمة شمس غاربة وعتمة شرعت تتخلل الأزقة، وعبقت في الجو رائحة مساء، فشعرت فجأة برعشة خفيفة من كآبة وقلق، وعادت إليَّ مثل حلم باهت ذكرى بعيدة يوم تهت في الشاكرية. ربما في الرابعة من عمري، كنت مع (سكينة) ابنة عمتي التي بعمري، وجدنا أنفسنا ذات عصرية نسير خلف (موكب عزاء الشاكرية). نركض وراء الحشود، ونهزج معهم بنداءات عاشوراء، ونضرب صدورنا مع قرع الطبول (وا حسيناه .. وا شهيداه..)، دون أن نفهم بالضبط من هو المقصود، معتقدين بأنه أحد شيوخ عشائر الشاكرية. انتبهنا لأنفسنا تائهين وسط الازقة المجهولة والظلام الذي خيم. تهيأ لنا بأنا تهنا في عالم آخر غريب وخطر وليس ثمة أمل بالعثور على أهالينا. رحنا نبكي ونستغيث بالله وأولاد الحلال بحثاً عن المنقذ. لكن الناس كانوا يتغاضون عنا معتقدين بأننا نبكي على الحسين. ولم يصدقونا إلاّ بعد أن راحت (سكينة) تتمرغ على الأرض، صارخة بالله والأهل. أغاثنا الناس وحملونا إلى أهالينا. مازالت حتى الآن ثمة مشاعر قلق من ضياع تأتيني في المواقف المشابهة.

كنا منسجمين تماماً مع حياتنا، لأننا كنا نعرف كيف ننتقم من بؤسنا. نتقبل بكل طيبة عقوبات أمهاتنا اللواتي بعد أن يتعبن من ضربنا بنعولهن البلاستيكية السوداء، يشكين إلى آبائنا لكي يكملوا حفلات الرعب بعد عودتهم مساءاً. وعندما يتراكم الغيض فينا، كنا نبحث عن أي وسيلة لتفريغه. كنا مثل جميع أطفال الأرض نعشق الحيوانات.. حتى الموت! وكنا نطبق على أصدقائنا الكلاب والقطط، ذلك المثل المعروف(من الحب ما قتل). اكتشفنا تسلية رائعة. كنا نغافل أهالينا، وننصب طشوت الغسيل كشراك للقطط. نصطادها ونشرع بكل براءة ورقة طفولية بتعذيبها وتكسير أطرافها بـالهيم الحديدي (المكسار)، ونحن نتصارخ بعبث، ونتضاحك ببراءة وفرح، لا يمتلكها حتى غلمان الجنة. وكنا نكمل طقوسنا الجهنمية هذه بالهجوم على الكلاب، نحيطها من كل جانب، ننهال عليها بالحجارة والعصي، وهي تنبح وتعول مستغيثة بآلهتها الخاصة بها التي لم تكن أقل منها حيوانية وسخرية، حسب اعتقادنا. كنا ندفعها ونحن نتضاحك ببراءة إلى مستنقعات مياه الأمطار الآسنة، التي سبق وأن غرق فيها الكثيرون منا.

بعد أن نفرغ من جنوننا البدائي، نعود إلى أهالينا الغاضبين من قسوتنا والمعتذرين لله عن جرائمنا التي لا تغتفر، لكي نتعرض لعقوبات بدنية قبل النوم، وعقوبات روحية أثناء النوم على شكل كوابيس رعب تفترسنا خلالها مرات ومرات تلك القطط والكلاب التي عذبناها وغدرنا بها.

حينما أتذكر حكايتي مع القطط، أحّس بالعار، لأني كنت ناكراً للجميل لجنس القطط الذي أنقذني من موت محقق. لا أدري إن كنت أتذكر حقا تلك الحكاية، وهذا أمر غير معقول، أم إني سمعتهم يحكونها لي، فانطبعت في ذاكرتي: كنت راقداً في الكاروك (المهد) وإذا بثعبان يتجاوز طوله ذراع، أبيض مرقط، يزحف على عمود محاذٍ. وفي اللحظة التي كاد فيها أن يبلغني وإذا بقط يهجم عليه وينهشه، وقد هبت أمي وجدتي على صوت بكائي.

الغريب أن قسوتي الوحشية هذه ضد الحيوانات، لم تترك في نفسي غير أثر معاكس تماماً. أصبحت فيما بعد وحتى الآن، بالغ الرقة والحساسية، بحيث أني لا أتحمل مشهد عنف ودم حتى في الصور والسينما. وأنا هنا، كم من مرات تركت قاعة السينما وسط العرض، بعد أن فوجئت بمشاهد عنف ودم تتخلل الفيلم. وعندما أجلس أحياناً للتبرع بالدم، أغمض عيني تجنباً لرؤية الإبرة وهي تسحب دمي. لعل حساسيتي هذه تعود أساساً إلى أني أنا شخصياً كنتُ مثل تلك القطط، عانيت أيضاً من عنف وقسوة من الكبار. كذلك شاهدت بعيني فيما بعد، كيف يُعذَّب الرجال في سجون دائرة الأمن، إذ مازالت أصوات المعتقلين الشاكية الباكية الطالبة للرحمة تصدح في روحي، ممتزجة بصراخ ضحايا طفولتي من كلاب وقطط!



*       *      *



في الشاكرية شاهدتُ لأول مرة امرأة تنجب. لم تكن أمي، رغم أنها أنجبت بعدي العديد من الأطفال. بل جارتنا (العلوية العمية)، وهي شابة عمياء رقيقة حلوة بيضاء، ومن سلالة الإمام علي. ذات صباح، ونحن نلعب في الزقاق، دون أن نهتم بضجيج وزحام أهالينا حولنا، وإذ فجأة ينطلق صراخ من بيت (العلوية)، فركضنا نحن الأطفال، خائفين، منتظرين كارثة ما، وإذا بالكبار يقفون في وجهنا، ويمنعوننا من دخول الغرفة، التي تجمعت النساء داخلها وعند بابها. لا أدري كيف تمكنتُ من مغافلة الحارسات، وصعدت إلى الرازونة (النافذة)، ورحت أتمعن بذلك المنظر الذي لم أشاهد مثيله من قبل ولا من بعد. منذ أعوام عندما أجبروني في المستشفى، حسب التقليد الحديث، أن أحضر عملية إنجاب زوجتي لولدي، أغمضتُ عيني وأنا أقف جنب زوجتي أمسك كفها وكتفها، وأستحثها الشجاعة والصبر، وهي تصرخ من الوجع. لكني في ذلك اليوم في الشاكرية، كنتُ فاتحاً عيني أقصى ما يمكن، فرأيت القابلة (أم جاسم) تخرج جنيناً من العلوية العمياء. كنت على يقين أنها كانت دمية صغيرة، لم أفهم أبداً لماذا كانت مخبأة داخل العلوية. زاد عجبي، عندما رأيت الحجية تمسك الدمية من قدميها وتضربها عدة ضربات على ظهرها، فتنطلق بصرخات مثل طفل حقيقي! وقبل أن أفهم ما يحصل، وإذ بي أشعر بقبضة جبارة تمسكني من ثوبي وترفعني، بحيث يتدلي رأسي نحو الأرض وقدماي فوق. وأنا في حيرتي والأرض تدور أحسست بصفعات خفيفة على ظهري ولعنات أبي، فانطلق من حنجرتي عويل صارخ امتزج بعويل الجنين الذي رأيته يخرج من العلوية.

في الشاكرية، عرفت لأول مرة السينما، ربما عام1961. وإلى الآن أتخيل مشهدي في أول يوم العيد مع أخي وأبي أختال فرحاً فوق جسر الجمهورية، لأني أرتدي بدلة ملكية زرقاء كلها زراكش ونجوم مذهبة. سمعتهم يقولون إنها على نمط بدلة الملك غازي، قد حصل عليها أبي منذ سنوات طويلة من عطايا أحد الأغنياء، وقد ارتداها أخوتي قبلي في العيد عندما كانوا بحجمي. أتذكر جيداً كيف أني جلست في حضن أبي في سينما ميامي قرب ميدان الباب الشرقي، لأشاهد لأول مرة في حياتي فيلم (طرزان في الغابة).  

في الشاكرية كذلك عرفت لأول مرة المدرسة. في عمر السادسة سجلوني في مدرسة (كرادة مريم). أصابني الرعب عندما تركتني أمي ورحلت. أحسست كأني وحشُ غابٍ تركوه وسط زحام مدينة عامرة. أرهبني مشهد هذه الجموع العظيمة من فتيان يتراكضون ويتصارعون ويتمازحون في باحة المدرسة. رحت أبكي وأردت العودة إلى بيتي وحارتي وأصحابي. لكن رؤيتي لابتسامة الأستاذ (أدور) الحنونة المرتسمة على وجهه الجميل، وصوته الدافئ، قد هدأ من روعي، وبعث الطمأنينة في روحي. كان أخي راضي في نفس المدرسة، ولكنه في الدوام الآخر. رغم أنه يكبرني بعامين، لكني كنت أضاهيه في حجمه، لهذا كنا نلبس الثياب نفسها، فكنت أنتظره في الطريق لكي يعطيني البنطلون ويأخذ دشداشتي، أوالعكس. لاأدري بعد كم من الأيام، أُصيبت قدمي بحادث عندما كنت راكباً الدراجة (البايسكل) خلف أخي قيس. كان هذا الحادث حجة لكي أتمارض وأقنع أهلي بترك المدرسة ذلك العام.  

في الشاكرية اكتشفت التلفزيون، عند جيراننا (بيت أم فلاح). كنا بين حين وآخر نذهب إلى منزلهم لنشاهد برنامج (قرقوز)، تلك الدمية المضحكة التي تخاطب الأطفال. لكن الذكريات الأولى للتلفزيون ارتبطت بذلك المشهد الذي بقي حياً في ذاكرتي. ذات ليلة من شتاء 1963 صحوتُ على ضجيج أهلي وأناس الحارة ودويّ طلقات نارية تصدح في السماء. كانوا يتراكضون، فتبعتهم إلى بيت (أم فلاح). لا أدري عدد الناس، عشرات أو مئات، المجتمعين حول التلفزيون. بصعوبة سحبتني أختي ليلى، لكي أتمكن من رؤية ذلك المشهد الذي جعلهم ينحبون ألماً وحزناً: ثمة رجل بقميص عسكري جالس على كرسي، ورأسه منكس والدم ينزف منه. وإذا برجل واقف يقبض على شعره ويرفع رأسه، لنكتشف أنه كان ميتاً. بلغ المشهد ذروته عندما رأينا الرجل الواقف يبصق بوجه الرجل الميت. قالوا إنه الزعيم عبد الكريم قاسم، الذي أطاح به البعثيون، وجلبوا جثته إلى التلفزيون ليعرضوها على الناس. كم بدت لي واضحة ملامح ذلك الزعيم وعيناه المغمضتان ووجهه الذي بات رغم الموت محتفظاً بابتسامة طيبة.

نحن أهل الشاكرية لم نصدق موت الزعيم. قلنا ليس هو الذي ظهر في التلفزيون، بل إنه ممثل يشبهه. أما زعيمنا الحقيقي، فقد رحل إلى القمر (كما كان يقول أسلافنا العراقيون القدماء عند موت تموز إله الخصب الذكوري كل عام). فبقينا ننتظر بشوق اكتمال البدر لكي نمضي الليل ونحن نفتش فيه عن وجه الزعيم. صدقوني أني شاهدت بعينيَّ وجهَ الزعيم على سطح القمر، لكني خفت أن أبوح للناس بذلك، لأنه كان ذات الوجه الجريح الميت المبتسم الذي شاهدته في التلفزيون!

الآن وأنا هنا، أنتظر ليلة اكتمال البدر، لكي أخرج وحيداً إلى شاطئ بحيرة جنيف أتأمل وهجَه في السماء وانعكاسه في الماء. دون أن أدري أرى ملامح الزعيم ترتسم على سطح القمر، وهو لم يزل جريحاً يبتسم، فأتلفَّتُ حولي، بحثاً عن أهلي وأناس الشاكرية، فلا أجد غير صمت وعتمة.



*      *      *



ذكريات وذكريات لا تحصى، ما زالت حية في روحي عن الشاكرية:

أتذكر عندما تمكَّن حرامي (لص) من التسلل ليلاً إلى حجرة حبوبتي وسرق الـ (20) ديناراً التي كانت كل ثروة أبي، مع ماكنة الخياطة التي كانت تستعملها أختي لخياطة دشاديشنا (ثيابنا).

أتذكر عندما كاد أخي راضي يغرق في حوض الساقية الواقعة بعد السكة، وأنقذته أختي ليلى، ثم أصيب بالتيفوئيد، وقال عنه الطبيب إنه لن يعيش حتى يوم غد، لكنه ظل حياً حتى الآن!

وأتذكر بيت (زهرة الحواس)، تلك الفلاحة القاسية التي تقطن في مزرعة الجت، والتي قيل عنها إنها قتلت ابنتها ودفنتها سراً، بعد أن علمت أنها كانت حاملاً سِفاحاً.

وأتذكر بيت أهل النگرة (أهل الحفرة)، الذين مثل سكان الأهوار، بنوا بيتهم وسط (الحفرة)، ذلك المستنقع الآسن، وتركوا جواميسهم تعيش في الماء حولهم.

أتذكر نفسي أول طفولتي ببدن سمين ووجه منتفخ مثل أهل الصين، وأنا أرقص في مزرعة الجت على تصفيق أخوتي وغنائهم لي: بديبود يرقص بالجتة.. بديبود يرقص بالجتة..

ذكريات الشاكرية لا تنتهي، فهي مرابع طفولتي وبلادي الأولى..

أواه يا أصدقائي لو تعلمون كم أنا مشتاق إليها، إلى أطفالها الحفاة وأهلها الطيبين القساة، وأحواشها الطينية ومزرعة جتها الخضراء ومستنقعاتها العفنة وسكة حديدها وأنابيب نفطها وضفاف دجلتها، وكل ذكرياتها، النيرة منها والمظلمة. لكنها يا للحسرة، رحلت واندثرت مثل مدن عالم قديم غيبها الله في أعماق الأرض. مهما فتشتم عنها، لن تعثروا عليها في خارطة ولا في أي بقعة من أنحاء العراق. مع ذلك هي ليست من نسج خيال، بل هي مدينة عابرة كوّنها أناس عابرون.

عندما زرتُ بلادي عام 2003 بعد غياب أعوام وأعوام، ذهبتُ لرؤية الشاكرية، أو قل لذكراها، لأني أعرف أن الحكومة قد أمرت بهدم بيوتها وترحيل أهلها منذ أوائل الستينيات، عندما وزع الزعيم عبد الكريم على سكانها أراضي (مدينة الثورة) مشترطاً أن يبنوا بيوتهم من طابوق. وكانت عائلتنا آخر المقاومين، حيث صمدنا حتى نهاية عام1963 .

قلت: لعلي أعثر على بقايا مندثرة، وأشاهد ذكريات منسية، أوعلى الأقل أمشي على أرضها وأضع الفلوس والبيض والتبن على سكة حديدها، وأبعث إشارات محبة لأصدقائي الذين غابوا عبر بواري نفطها، وأصلِّي لإله الكون في كنيسة أرمنها.. لكن الصدمة كانت بانتظاري، عندما لم أتمكن حتى من الاقتراب منها، لأنها كانت محاطة بأسوار وحواجز حربية مدججة بسلاح وحراس. منذ أيام صدّام، أصبحت المنطقة بأكملها جزءاً من مقرِّ القيادة القومية لحزب البعث والقصر الجمهوري. وبعد الاحتلال أصبحتْ جزءاً من المنطقة الخضراء، مقر الأمريكان وأتباعهم.

نعم يا أصدقائي، بلادي الشاكرية صارت أرضاً حراماً أسطورية، لا تستطيع بلوغها إلا تلك الكائنات المختارة المدججة بسلاح وقوانين عليا.

أحياناً يخطر في بالي أمر خيالي طريف، لا أدري هل أعيش حتى اليوم الذي أراه يتحقق فيه: أن نبادر نحن بعض أبناء الشاكرية، باختيار أي بقعة صغيرة من أرض الشاكرية القديمة، ونضع فيها نصباً تذكارياً، عبارة عن حوش طيني من تلك الحقبة، ونكتب عليه: هنا ترقد الشاكرية.. بلادنا العابرة..



<hrdata-mce-alt="الفصل الثالث : أبي (مطر) وحانوته العجيب!" class="system-pagebreak" title="الفصل الثالث : أبي (مطر) وحانوته العجيب!" />

الفصل الثالث 
أبي (مطر) وحانوته العجيب!

 

لتعلموا يا اصدقائي، ان حياتي الاولى حتى بداية شبابي وهجري الابدي لبلادي، أي معظم سنوات عمري في العراق، كانت تتمحور حول أبي (مطر) وحانوته الشهير. وقتي ونفسيتي وتربيتي وثقافتي ومجتمعي، كلها كلها كانت أبي وحانوته.

لم أمض مع أمي واخوتي الاّ جزءاً ضئيلاً من الوقت الذي أمضيته مع أبي. كان هو أبي وأمي وأخي وصديقي، وسيدي المالك لروحي وحياتي. هو ذلك الحامل لكل التناقضات الجنونية: طفل هش رقيق حين يحن، ومارد ماحق جبار حين يغضب.. ظالم عادل، عارف جاهل، كريم وضيع، شجاع جبان، طاهر ماجن. هو مثل ارض بلادي وتاريخها: انهار وصحارى، جبال وسهول، حضارة وخراب، حب وحرب..

هو شخصية عراقية شعبية أصيلة سلباً وإيجاباً، فيه الكثير من الرمزية التي يبحث عنها كتاب الرواية والسينما. أقرب ما يكون الى الشخصية الشهيرة (زوربا اليوناني) بما فيه من تطرف كبير بالخير والشر، بالقسوة والرقة، بالشموخ والضعة، بالزهد والفجور، بالتدين والالحاد..

يقيناً أنه من نسل (كلكامش) جدنا الملك الاسطوري، ذلك الظالم الجبار الرحيم الحنون، المستبد المغتصب الذي يبكى كطفل أمام جثمان صديقه وغريمه (انكيدو). ظل يجول الارض مغامراً معتوهاً وناسكاً عابداً، بحثاً عن سر الفناء واكسير الخلود.

كان (مطر) بالكاد يعرف القراءة والكتابة، ودراسته لم تتعد المعرفة القرآنية، لكنه كان مثقفاً شعبياً بكل معنى الكلمة، فهو حكواتي كبير ينصت الناس بشغف ومتعة لحكاياته التي لا تنتهي عن الله والانبياء والاولياء والملوك والخلفاء والف ليلة وليلة وشيوخ العرب وآغوات الاكراد والاتراك والانكليز وقادة الدولة العراقية. بالاضافة الى مغامراته الشخصية لحياته حتى سن الشباب في أهوار العمارة، وشبابه في الجيش العراقي، مع الانكليز ورجالات الدولة أمثال (نوري السعيد وبهجت العطية)، وألعابه مع النساء، وطرائفه مع الناس وعموم الحياة..

عندما وعيت رؤيته، كان عمره يقرب الستين. طويل القامة رشيق منتصب، بشرته سمراء بلون القهوة المتوهجة بحرقة الشمس. وحينما كان يخلع عرقجينته (طاقيته) كانت صلعته تبدو بيضاء حمراء مؤطرة بشعر ناعم أبيض فضي. عيونه واسعة بنظرات صارمة متفكرة تزيد من جمال ملامحه الرجولية. كان دائماً يرتدي أثناء العمل، بقايا ثيابه الخاكية العسكرية: قميص فضفاض وبنطال عريض تحت الركبة بقليل، يرفعه الى أعلى بطنه بحزام جلدي عريض. لكنه عند زيارة الاقارب وخصوصاً في المناسبات العشائرية، كان يرتدي زيه العراقي، الصاية والسترة والعقال حول اليشماغ المرقط أسود وأبيض، فكان يبدو مهيباً شامخاً مثل أمراء العرب.  

نعم، انه أبي (مطر)، رجل طيب كريم وذكي وعظيم، لكنه أيضاً أحمق وضيع وشرير. ألم أقل لكم أن حياته وشخصيته التعبير الامثل للشخصية العراقية الشعبية خلال القرن العشرين..

*    *   *

قبل أن أحدثكم عن حياتي مع أبي وحانوته، وشرطة الأمن ومعتقليهم، دعوني أولاً أحدثكم عن تاريخ أبي.

ولد (مطر) تماماً في أوائل القرن العشرين. لا أحد يعرف بالضبط في أي عام، لكن يقينا قبل عام 1908 حيث سجل تاريخ ميلاده في جنسيته. عاش طفولته في (هور الكحلاء) في (العمارة)، في القرى التابعة لذلك الشيخ الشهير(محمد العريبي) زعيم عشيرة (البو محمد). لكن عائلة أبي (بيت عكلة) كانت لاجئة في هذا المكان منذ جيلين، لأن أصلها يعود الى عشيرة كبيرة مقرها في البصرة واسمهم (الحلاف). يقول أبي ان هؤلاء الحلاف حملوا هذا الاسم لأنهم (تحالفوا) مع السيدة (عائشة زوجة النبي)، عندما أتت الى البصرة واستنجدت بعشائرها لتخوض)معركة الجمل) الشهيرة ضد (الامام علي). بعد أن خسروا المعركة انقلبوا ضد (عائشة) وأصبحوا من شيعة (الامام علي). قد تكون هذه الحكاية صحيحة، ولكني أظن انها مثل غالبية حكايات العشائر وادعاءاتهم الاسطورية. فحسب اطلاعي التاريخي، ان اسم (الاحلاف) مثل اسم (الموالي)، قد شاع في العراق بعد الفتح العربي الاسلأمي، ليطلق على القرى والعشائر العراقية الاصلية (أحفاد سومر وبابل وآشور) التي قبلت الاسلام والتعريب من خلال التحالف وموالاة إحدى العشائر أو العوائل أو الشخصيات العربية الفاتحة.

كان (عكلة) جد أبي قد رحل هارباً من البصرة بعد ارتكابه جريمة في أوائل القرن التاسع عشر. مثل غالبية الهاربين من القانون، لجأ الى عشائر الاهوار، في احدى القرى النائية في هور الكحلاء. ولأن (عكلة) كان يعرف القراءة والكتابة، أصبح (ملا) أي (مثقف) وهي من فعل (أملى أي علّم، أو ربما من أسم مولى أي سيد)، وهو الشخص العارف بالقراءة والكتابة ويمتلك حداً معيناً من المعارف وخصوصاً في أمور الدين. كذلك زاول التجارة، بشراء محاصيل الفلاحين وأخذها الى المدينة لبيعها، وجلب المواد الضرورية من المدينة وبيعها للفلاحين. وختم نشاطه بالحج الى مكة ليطلق عليه (حجي عكلة) بدلاً من (ملا).

تزوج (عكلة) العديد من النساء أنجبن له عشيرة من الابناء والبنات، ومن بينهم (كامل) والد أبي.  أصبح (كامل) مثل أبيه، أيضاً تاجراً وملاّ، وتزوج العديد من النساء وأنجبن له أيضاً عشيرة من الابناء والبنات. خلال جيلين فقط، أي تقريبا قرن واحد، تكون في الكحلاء فرع مهم لعشيرة (الحلاف)، مستقل تماماً عن أصل العشيرة في البصرة! كذلك ختم كامل نشاطه بالحج الى مكة ليصبح (حجي كامل) بدلاً من (ملاّ كامل)، وقد جلب معه عبدين صغيرين، أخ وأخته، اشتراهما من مكة وأصبحا جزءاً من العائلة، وانتقلا معها فيما بعد الى بغداد.

كانت (روبية) أم أبي، هي الزوجة الرابعة والاخيرة لـ (حجي كامل). كانت فتاة فاتنة الجمال ذات قامة طويلة هيفاء ووجه بيضاوي وعيون وسيعة بنظرة حنونة. وهي ابنة أحد شيوخ عشيرة (الزبيد) في العمارة. أنجبت الشابة (روبية) للرجل الهرم (كامل)، خمسة أطفال، ولدين، أكبرهم (مطر) و(رشيد)، وثلاثة بنات (نوعية وصبرية ومكية).

لم استطع أن أفهم، لماذا كان (مطر) يشكو من سوء معاملة أبيه له؟ يقول انه كان يعامله بقسوة، ورفض أن يتركه يتعلم القراءة والكتابة في المدرسة القرآنية في القرية. بل أجبره أن يصبح راعياً للابقار، مما اضطره أن يتصل سراً بمعلم القرية ويتعلم منه القراءة والكتابة. وكان يستخدم صفائح التنك وسخام (كاربون) الفحم ليكتب الآيات القرآنية.

وفي سن المراهقة وقع (مطر) في حب فتاة جميلة اسمها (قواعد). حتى موته ظل يتذكر قواعد. كان فشل حبه لها هو جرحه الابدي الذي ظل ينزف في أعماقه طيلة حياته. آه لو رأيتم أبي، وهو مستلق على القنفة وأنا قريب منه على القنفة المقابلة، نمضي ليلتنا كالعادة ننام في حانوتنا تحت سماء (بغداد) الوضاءة بنجوم لا تحصى وقمر حليبي يشع على وجهه نوراً ساحراً يمتزج بصوته الدافئ وهو يسرد لي بلا ملل وللمرة المليون حكاية حبه الخائب لـ (قواعد).

في أول سن الشباب، وبعد فشله بالزواج من حبيبته قرر هجر قريته والرحيل الى بغداد. ظل أبي طيلة عمره (يدعي) انه ناقم على بلدته وأهوار طفولته. فكان دائما يردد أمامي تلك المقولة الناقمة: (العمارة لا عمرها، والماي لا جرى بنهرها).. لكني أعرفه جيداً، ظل حتى آخر لحظة من حياته حبيساً لعشقه الخائب للعمارة. رغم نقمته المعلنة، فأنه ما كان يكف عن سرد حكايات ماضيه: قسوة الشيوخ وكرمهم، أعاجيب السادة ومقدساتهم، معاناة الفلاحين وحروب العشائر وطقوس الصيد وغدر الخنازير والافاعي، وحكايات بعد حكايات لا تنتهي عن أسرار الاهوار، كنت أسمعها منه كل يوم وكل ليلة. رغم أني حتى الآن لم أزر في حياتي أهوار بلادي، لكني أحس كأني قد أمضيت فيها ليست فقط حياتي الحالية، بل كأني عشت فيها حيوات عديدة سابقة.

كان أبي عاشقاً محروماً من المحبوب، وقلبه ملوث بذلك الميل العراقي. مثل غالبية المحبين في بلادنا، عندما يفقدون الأمل بالحصول على المحبوب، يلجأون الى ادعاء النقمة عسى أن يكبحوا جماح حيوان الشوق الرابض في قلوبهم. لو تدرون كيف كان أبي عندما يصعد فيه الحنين الى أهله وأسلافه الراحلين، يستحيل الى طفل مهجور ينطلق بصوت أليم نابع من أعماق بعيدة بموال جنوبي يريق الدمع من عينيه فأشاركه أنا رغماً عني البكاء.

أعترف لكم يا أصدقائي، بأني أيضا قد ورثت هذه اللوثة من أسلافي، فما زلت حتى الآن بين حين وآخر، عندما يشتد بي الحنين الى وطني ويتفاقم الوجع من خبال شعبي، أفجر نقمتي مع نفسي، صرخات غاضبة عاتبة ناقمة تنزف مشاعر حرمان وشوق لو صارت مطراً لأغرقت أوطاناً عدة..

*    *   *

وصل (مطر) الى بغداد بعد عام 1921، وهوعام تأسيس الدولة العراقية ومعها أول فصيل للجيش العراقي (فصيل موسى الكاظم) الذي التحق فيه جندياً. بسبب طبعه المتمرد و(السادي- المازوشي) الباحث عن جلد الذات والاحباب، عاش (مطر) حياة مضطربة كلها حروب عسكرية ضد عشائر الوطن في الجبال والسهول، وعانى من الطرد والسجون بسبب تمردات وشجارات مع القيادات، وتنقلات عديدة بين الجيش والشرطة، بالاضافة الى اصابته بأمراض خطيرة مثل التيفوئيد، كادت تميته.

في شبابه، في ثلاثينات القرن العشرين، تزوج (مطر) بـ (جريَّة) وهي آخر زوجات أخيه الاكبر المتوفى، وتكبره بعدة أعوام.  هذه السيدة الجميلة هجرت العمارة بعد وفاة زوجها، وأتت الى حميها (مطر) في بغداد وعرضت عليه أن يتزوجها لأنه الأحق بها وبرعاية أبنائها. كانت العادة في أرياف العراق أن يتم تشجيع زواج الاخ بزوجة أخيه المتوفى، لكي يحافظ عليها وعلى أبنائها ويبقيهم ضمن العشيرة.

بعد أعوام، وجدت (جريَّة) أنها أصبحت مريضة وغير قادرة على انجاب الاطفال، فقررت أن تهب (مطر) ابنة أخيها (وبرية)، فتاة صغيرة جميلة تشبه الدمية الروسية، لتكون له زوجة ثانية وتنجبنا نحن.

*  *  *

أما حانوت أبي، فله حكاية أخرى. بالحقيقة ان تسمية (حانوت) من اختياري أنا، لعلها الاقرب، رغم انها تبدو لي انيقة وراقية جداً مقارنة بوضعيته في الواقع. أما تسمية (قهوة) التي كانت شائعة عنه، فتبدو غير واقعية أيضاً، لأن القهوة في العراق تبيع المشروبات فقط من دون طعام. لهذا اخترت تسمية (حانوت) لأنها الوسط بين مطعم ومقهى، رغم انه يبقى أمر آخر وخاص جداً. لعلكم تجدون له اسماً يناسبه بعد اطلاعكم على وصفه المفصل.

افتتح أبي حانوته بعد سقوط النظام الملكي وتقاعده من سلك الشرطة عام1958 . كان هذا الحانوت، عبارة عن شبه حجرة ببضعة أمتار مستندة على سياج أحد القصور المجاورة لدائرة الامن العامة. لقد بناها أبي بصورة فنتازية من مواد عجيبة غريبة جمعها من عشرات المصادر: أحجار متنوعة وحصى وعلب وصفائح تنك وقطع أخشاب وغصون أشجار وعظام حيوانات وسعف نخيل وقطع سيارات، ومواد أخرى مجهولة. كل هذه المكونات العجيبة هندسها بذوقه الفني الفطري المتمرد ولصقها بالطين والجص والسمنت بصورة عبثية رافضة لكل أذواق الجمال المتعارف عليها، لتبدو بالنهاية كأنها احدى ابداعات الفن الوحشي، أو صورة متطورة من الفن السوريالي قد تثير اعجاب وغيرة السيد (سلفادور دالي) نفسه. ولعلنا يمكن أن نطلق على هذه الفن المعماري الاصيل تسمية (المعمار القوطي)، نسبة الى (القواطي ـ العلب) التي كانت تستخدم بكثرة في هذا البناء!

في داخل هذه الحجرة وضع أبي قنفتين (كنبتين) خشبيتين تعودان الى عصر (نياندرتال)، قد تم ترقيع كسورهن بعشرات القطع الحديدية والخشبية المختلفة. ولكي لا يتهاوين قد تم اسنادهن على الحائط ووضع تحتهن عدة طابوقات. وفرش هذين القنفتين بحصيرتين عشبيتين لم نغيرهن حتى بعد أن أصبحت رقعهن أكثر من أجزائهن العامرة، وقد فرش صحفاً في فراغات هاتين الحصيرتين لكي يضفي عليهن مسحة ثقافية. وكان أمراً طبيعياً جداً أن تنخسف القنفة بأحد الزبائن، بين حين وآخر. وفي الليل كنا نستخدمهن للنوم، واحدة لي والأخرى له. أما الطاولات فكن عبارة عن صفائح تنكية مخصصة لبيع النفط. في جانب الحجرة بنى سقيفة صغيرة (وجاغ) من نفس مواده العجيبة، لكي نغلي عليها الشاي بالفحم.

كان حانوتنا مأوى لحشود من الهوام والحشرات التي تجعلنا ننام ليلاً على أنغام تراتيلها الكلاسيكية: خنافس وصراصر وعناكب وخفافيش وزواحف مختلفة من بقايا ما قبل التاريخ. هنالك ايضا قطط سائبة تنتظر بعيداً خائفة متحفزة لكي تنقض على سقط الطعام. وكان أبي، حسب موازين القوى، تارة يعلن عليها الحرب، وتارة يعقد معها اتفاق صلح كي تعاوننا على طرد اعداءنا (الفيران) من الحانوت. وفي احدى الفترات راح يظهر لنا ثعبان أبيض مرقط مختبئ في أحشاء الوجاغ، مما اضطرنا ان نملئه نفطاً ونشعل النيران في كل زواياه.

كذلك كان لدينا (بريمز) نفطي لطبخ الباقلاء وسلق البيض وقليه. وكم مرة هبت نيران (البريمز) بوجهي وحرقت شعري وحواجبي. في الشتاء كانت حجرة الحانوت تتحول الى (ساونا عراقية) أي حمام دخاني وليس بخاري، لأن أبي كان يأتينا من دائرة الامن بالكتب السياسية الممنوعة المصادرة من المعتقلين، من أمثال كتيبات السيد ماركس وجماعته، لكي نحرقها ونتدفئ عليها. لا ادري، ان كان لنيران الشيوعية هذه تأثير روحي خفي في تحولي فيما بعد الى الشيوعية؟!

وعندما كانت الدنيا تمطر، كنا ننشر العديد من علب الصفيح في أنحاء الحجرة لكي يسقط فيها الماء المتسرب من أنحاء السقف. وكانت لدينا أيضاً (ثلاجة) من عصر الجاهلية، هي عبارة عن صندوق خشبي مهتري تماماً، نضع فيه قناني المشروبات وفوقها قطع الثلج التي نرش عليها الملح لكي لا تذوب بسرعة. أما مياه الشرب، فكنا نأخذها من حنفية الجيران ونضعها في حب كبير(جرة فخارية). وهذه (الحب) كان باطنه أخضر من العفن، وفي أعماقه مقبرة لمختلف الهوام والحشرات والنحل. وكنا جميعا مع الزبائن نشرب بنفس طاسة الالمنيوم المسودة.

*     *     *

ليس شكل الحانوت وحده الذي كان يدعو للعجب، بل كذلك الناس الذين يأويهم كل يوم. فزبائننا كانوا مزيجا من نقيضين:

شرطة الأمن من ناحية، ثم أهالي المعتقلين القادمين لزيارة أبنائهم!

كلهم يجتمعون في الحانوت، يشربون ويأكلون ويتبادلون الحكايا والنميمة والنصائح والشكاوي والرشاوي، وفي معظم العمليات كان أبي يقوم بدور الوسيط الدولي غير الرسمي بين هذه الاطراف المتنازعة.  

كانت شخصية أبي مثل حانوته، تحوي كل النقائض والغرائب. فهو الحكواتي العارف الحكيم الناصح الذي يسأله الزبائن بمن فيهم حتى الضباط والمدراء، رأيه ونصيحته في كل الامور، من الدين والمجتمع الى الطب وأسرار الحياة الجنسية. لكنه كان أيضا ذلك الرجل الحيّال والممثل الهزلي والمنكت الفاجر والغضوب المجنون الذي لا يتوانى عن الضرب المبرح والجرح بالسكين. كان يتنقل بحرية تامة بين النقائض، فهو بعد أن ينهي حكاية دينية عن عذابات (النبي عيسى) أو مناقب (الامام علي) ، ينتقل مباشرة الى سرد المغامرات الداعرة للخليفة (هارون الرشيد) مع الجواري والجنيات الخلابات. وكان بارعاً في وصف التفاصيل الدقيقة التي يضفي عليها دائماً خياله الخاص. وهو ممثل فائق القدرة في التعبير الصوتي والحركي عن مشاهد  حكاياته، بما فيها المشاهد الجنسية التي يقلد فيها فحيح النساء وشهوانية الرجال وحركاتهم بصورة ساخرة ومثيرة، جاعلاً الزبائن يتنقلون مثل الاطفال من الحزن والتقوى الى الشبق والضحك الهستيري الجياش.

صحيح انه كان صديقاً حميماً للكثير من الشرطة والضباط، الاّ أنه كان أيضاً يقوم بدور الوسيط السري بين المعتقلين وأهاليهم، وينقل بينهم الرسائل والحاجات بصورة تعرض حياته للخطر.

*    *    *

(أبو جورج)، هو شخصية هامة لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن حانوت أبي. اسمه الحقيقي (جميل متي)، ولكن أبي لقَّبه بـ (أبو جورج) نسبة الى (جورج الخامس) ملك انكلترا، لأن أبي كان من المعجبين به، وحينما يتحدث عنه يقول (المرحوم جورج الخامس).

يمكن أن تقولوا ان (أبو جورج) هذا كان مثل ابن لأبي. كان طفلاً صغيراً عندما ظهر فجأة في أعوام الخمسينات، يتسكع قرب دائرة الأمن. لا أحد يعرف من أين أتى وما هي قصته. كل المعلومات التي أدلى بها، انه مسيحي ويتيم. منذ ذلك الحين راح أبي يعتني به وساعده أن يشتغل منظفاً للسيارات التي تقف بجنب دائرة الأمن. يمنحه الطعام والثياب وينام معنا في المقهى.

وكان (جميل) يكن لأبي حباً واحتراماً كبيرين، وكثيراً ما تعرض المسكين، مثلنا، لغضبه وعقابه الوحشي. وكالعادة كان أبي سرعان ما يهدأ ويناديه ويعتذر منه ويقدم له الطعام.

ومنذ سن المراهقة، ابتلش (أبو جورج) بالادمان على الخمر والريسس (الرهان على سباق الخيل). كان في كل مساء، يجمع ما ربحه من عمله بتنظيف السيارات، ويشتري به نصف قنينة (عرق). وفي نهاية كل شهر يأخذ كل ما يحصل عليه من عطايا المحسنين من مسلمين ومسيحيين، ويذهب الى الريسس ليصرف نقوده كلها هناك ويعود لنا صباحاً مخموراً مفلساً، فيتلقاه أبي بالشتيمة والضرب والطرد.

وكان أشد ما يثير جنون أبي، عندما يكتشف ان (أبو جورج) قد باع الحذاء والثياب التي تدبرها له، ويعود لنا في اليوم التالي، ليس مخموراً مفلساً فقط، بل حافياً ولم تزل عليه نفس ثيابه البالية العتيقة رغم برد الشتاء القارص. وقد فشلت كل جهود أبي أن يقنعه بلبس الحذاء والثياب الدافئة. هكذا بأصرار عجيب قاوم (أبو جورج) كل الضغوطات والتهديدات، وبقي طيلة حياته حافياً، رغم البرد والجروح. أصابه الروماتيزم وانتفخت ساقاه وأصبح باطن قدمه مشققاً أسوداً متصلباً كأنه نعل حذاء.

في سنوات متأخرة، ظهر لنا فجأة شاب طيب اسمه (حنا) لديه تكسي، قال انه الشقيق الاصغر لـ (جميل). وفهمنا منه أنهم من عائلة فقيرة، قد مات والداهم بحادث وتركوهم صغار. حاول (حنا) وبالتعاون معنا، أن ينقذ أخاه من حياة التسكع والمرض، لكنه بعد جهود خائبة تخلى عن المسألة، وصار مثل باقي المحسنين، يأتي في نهاية كل شهر ليمنح أخيه بعض العطايا.

*    *    *



منذ سن مبكرة، أجبرني أبي أن أمضي عمري في حانوته. أتذكر يوم أخذتني أمي لزيارة الحانوت لأول مرة، ذات خريف من عام 1962 وأنا بعمر السنوات الست. تركتني هناك ورحلت. ما زال ذلك المشهد واضحاً وكأني كنت أراقب نفسي من الخارج: أنا جالس بأضطراب وحزن على (تنكة) قرب الحانوت مستنداً على حائط دائرة الامن، متردداً بالاحتجاج والبكاء على فراق أمي وتركي وحيداً بين أناس جميعهم من الرجال الغرباء. جلب لي أبي صحن فيه قطع من البيض المسلوق، كأنه يرشيني لكي أخضع.. وقد خضعت فعلاً طيلة عشرة سنوات أمضيت معظم أيامها ولياليها، طفلاً بريئاً غريباً، في حانوت بائس وغرف دائرة الامن وزنازينها، بين رجال الشرطة ومعتقليهم.

لقد سبقني اخوتي الكبار، (قيس وراضي)، بالعمل مع أبي. لكنهما سرعان ما تمكنا من الخلاص، (قيس) التحق بالعسكرية وهو في سن المراهقة هرباً من قسوة أبي. أما (راضي) فقد لجأ الى الثورة والتمرد لحد الخبال. بقيت أنا وحدي صغيراً طيباً مخلصاً لأبي وحانوته. منذ أن التحقت بالعمل، كان وقتي مقسماً بين المدرسة والحانوت. في السنوات الاولى، كان بيتنا قريباً في نفس (منطقة السعدون). يوقظني أبي منذ الفجر، لأخذ البيسكل (الدراجة) وأخرج قبله، وأنا أصارع عصابات الكلاب في (أزقة السعدون) التي تتحول الى أسود، فترة الاخصاب والتزاوج والانجاب.

كنت أعد نيران الوجاغ وأعمل الشاي وأسلق البيض والخضروات، وأذهب الى السوق لشراء (الصمون) و(الثلج) وباقي الحاجات. وكان دوام مدرستي في (مدرسة البتاوين)، ستة أيام في الاسبوع، ثلاثة منها، من الثامنة صباحاً حتى الثانية عشر ظهراً، وثلاثة أخرى من الثانية عشر حتى الرابعة عصراً. أعود بعدها الى المقهى. أمضي النهار في خدمة زبائننا، وعند العصر آخذ علاگتي المليئة بالمشروبات الباردة (البييسي والكوكا والمشن والشأبي والسبرايت..) مع الصمون والبيض والطماطة والباقلاء المسلوقة. أدخل الى زنازين المعتقلين، وما زالت حتى الآن تعبق في أنفي رائحة المكان المعتمة المخنوقة العطنة. أبدأ أنادي على بضاعتي بصوتي الطفولي:( بيض.. طماطة.. باقله.. بارد..). فيلتف حولي السجناء ليشتروا ما يبتغون ويمازحونني بطيبة وخبث، بعضهم يسرقني وبعضهم يمنحني بخشيشاً. وقد رأيت الكثير من السجناء ممن كانوا شخصيات مهمة أو أصبحوا فيما بعد وزراء وقادة عسكريين  وسياسيين، ومن ضمنهم صدام حسين نفسه.

وكان من الطبيعي أن أمرق أيضاً على غرف التحقيق لأبيع بضاعتي الى الجلادين، وأتذكر منهم الشرطي (عادل)، الذي سجله أبي في دفتر المديونين بأسم (عادل طيـ...) لأنه كان سميناً جداً وذا خلفية ضخمة تتجاوز وحدها المائة كيلو، ولكي يميزه عن عادل النحيف الذي سجله بأسم (عادل مفعوص). كان )عادل( السمين هذا، ما أن يراني أدخل الغرفة، حتى يترك ضحيته المعتقل طريحاً على الارض أو مربوطاً على النافذة، ويسحب كيسي (العلاگة) ويتناول منه مشروبه المفضل وبنفس واحد يشرب قنينة ثم ثانية وثالثة وهو يشهق ويزفر مثل ثور هائج، ثم ينقض على المأكولات يلتهمها بسرعة وشراهة، وبعدها يدفع لي الكيس قائلا:

ـ خلي أبوك يسجل الحساب بدفتره..

*   *   *

كان أبي يمتلك دفتراً ضخماً طويلاً لتسجيل أسماء الشرطة المديونين. كان خطه جميلاً بحروف كبيرة تشبه الخط الكوفي. يخصص لكل شرطي صفحة خاصة لنسجل فيها سعر الاكلة مع نوعيتها. مثلاً :

70  فلس/  بيضة وطماطة وصمونة ونص واستكان شاي..

وكانت نصف جهودنا مخصصة للحانوت، أما النصف الآخر فكانت لملاحقة الشرطة المطلوبين الهاربين من وجه عدالة أبي. نهاية كل شهر يوم قبض الراتب، والشرطة مزدحمون عند باب غرفة المحاسبة في دائرة الأمن، كان أبي يقف بجانب صديقه المحاسب (شغاتي) ومعه دفتره الشهير لكي ينقض على كل شرطي مطلوب في لحظة قبضه لراتبه. وكان الكثير من هؤلاء الشرطة يراقبون من بعيد أبي، لكي يستغلوا أي فرصة لغيابه ليقبضوا راتبهم بسرعة على أمل  التملص من دفع الدين. ولكن المساكين مهما هربوا، لا بد أن يرجعوا أخيراً الى حانوتنا رافعين الاعلام البيضاء مستسلمين معتذرين لأنهم لن يجدوا طعاماً أرخص وأسوء منه في كل أنحاء المنطقة. وخصوصاً كي ينقذوا أنفسهم من الحملة الاعلامية الشعواء التي لا يكف أبي عن شنها ضدهم، مستخدماً جميع وسائل الاعلام والتشويه السمعية البصرية الفائقة الجودة، من حكايات واشاعات وتهديدات وفضح أسرار وتدبير مقالب وشكاوي وعرائض الى المسؤولين. وحينما كان أبي يفقد الأمل بأحد الهاربين، فأنه كان يضطر حينها الى اللجوء الى أخطر اسلحته التشهيرية وأكثرها فعالية: أن يقف في وسط  دائرة الأمن ويصرخ بأعلى صوته مشهراً فاضحاً بذلك الشرطي المسكين.

لكن أبي فقد حضوته في دائرة الأمن، بعد انقلاب البعثيين عام 1968 وتعيين الجلاد الشهير (ناظم كزار) مديراً عاماً لها. حتى ذلك الوقت، كانت تسود الدائرة، مثل جميع ادارات الدولة العراقية، بعض الليبرالية والتسيب، مما كان يسمح بوجود مراكز قوة ونوعاً من العلاقات الانسانية تتسامح مع شخصيات شعبية مثل شخصية أبي.

مع البعثيين، تغيرت تماماً الوضعية، إذ سادت أجواء الصرامة والمركزية والقمع الوحشي لكل تسيب واختلاف. في البدء منعونا من دخول المعتقلات وغرف التحقيق، ثم منعونا من دخول بعض المكاتب الخاصة، ثم أخيراً منعونا من دخول الدائرة كلها. بل أنهم أمرونا بأن ننقل حانوتنا بعيداً عن الدائرة، فأبتنى أبي حانوتاً (جديداً) بنفس طرازه المعماري القوطي الوحشي السوريالي، على مسافة مئة متر، في بقعة أرض مهجورة.

*    *    *

كان أبي حينما يغضب مني يبدأ بالعياط مثل إمرأة تعاني الطلق:

ـ ((يا بوي .. يا بوي.. الله واكبر .. الله واكبر.. يا عالم يا سامعين..هذا الولد مو ابني.. هذا الولد نغل .. آني بريء منه.. قتلني .. مرمرني))..

ثم يرتمي عليَّ ضرباً ونهشاً وكنشاً وعضاً، ويدفعني دفعاً ويطردني وهو يرميني بالاحجار ولا يكف عن عياطه:

ـ ((روح .. روح يا ابن الكلب .. ابن القحبة.. تعتبر نفسك رجال براسي.. انت منو.. نسيت انت ابن (مطر).. خرة ابن خرة.. نسيت أبوك كان يرعى الهوايش (البقر) وسط الهور والبق (البعوض) والخنازير.. وانت حضرتك دخلتك بالمدرسة ودللتك مثل ولد الباشوات، وقمت أصرف عليك من دمي ولحمي.. روح .. روح لامك القندرة اللي جابتك نقمة عليَّ.. روح))..

ثم كالعادة، بعد أن يهدأ يناديني ويعتذر مني ويغسلني ويقدم لي الطعام ويغني لي ويسرد لي احدى حكاياته البليغة لكي يعطيني حكمة ودرساً.

نعم كان أبي يحيريني، وأنا طفل برئ، لم أكن أعرف كيف أشعر نحوه. لكني يقيناً كنت أحبه الى درجة الجنون. نعم صدقوني كنت متعلقاً به الى حد اني أصبحت مصاباً بحالة مرضية عصابية اسمها :

(القلق على حياة أبي)!   

في عمر التسع سنوات، بعد أن أصيب أبي بحادث سيارة أثناء غيابه عن الحانوت، ورغم شفائه بعد أشهر، الاّ أن عفريتاً مارداً تمَّلكني. ما أن يغيب عن الحانوت، لقبض راتبه التقاعدي أو لأنجاز معاملة، ويتركني وحدي، حتى يتلبسني وحش رعب يخنقني ويفقدني صوأبي ولا أستطيع حتى الرؤية، ويغدو كياني كله مردداً عبارة:

( يا الله خلي أبويَ يرجعلي سالم .. يا الله يا الله يا الله..))

وبنفس الوقت كنت أجول وحيداً لاهثاً حائراً في الحانوت أخدم الزبائن وعيوني على الدرب بحثاً عن ظل أبي. كنت عند كل نداء بأسمي، أفّز وأرتجف وأنا أتوقع سماع تلك الجملة المهلكة:

(أبوك مات بحادث سيارة)!

آه لو تتخيلون فرحتي عندما أراه قادماً. كم كنت أعاني لكي أكبت نفسي ولا أرتمي بأحضانه باكياً من الفرح، رغم انه كان لحظتها جاهلاً تماماً بحالي ومدى حبي له وقلقي عليه، ويواجهني عادة بصراخ ولوم لتقصيري في عملي.

ذات يوم، رأيت مشهدا غريبا بقي واضحاً في روحي حتى الآن: ثمة سيارة كانت واقفة مقابل الحانوت، وعليها تابوت. فجأت رأيت رجلاً يخرج من دائرة الأمن ويحتضن التابوت وهو يجهش بالبكاء. وازداد عجبي حين ميزت هوية ذلك الرجل: (الاستاذ أدور)! إنه مدرس اللغة العربية قبل ثلاثة أعوام في صفي الأول. كنت أحس بالعطف والاعجاب بهذا الاستاذ الطيب القلب. وبعد حيرة وسؤال، شرح لي أخي قيس الأمر:

(الأستاذ أدور) قد خرج تواً من موقف الأمن، لأنه كان شيوعياً، وقد جلب له أهله تابوت أبيه ليودعه!

وكانت صدمة كبيرة لي. كيف يمكن لهذا الرجل أن يظل هكذا حياً وهو يودع أباه الميت؟! يا له من رجل جبار حتى يستطيع هكذا أن يصمد ويتغلب على الحزن والفاجعة الكبرى بموت أبيه. لقد إزداد اعجابي بهذا الاستاذ عشرات المرات. وحينما أبديت استغرابي لأخي عن سر هذه القوة الكبيرة، اتخذ مسحة تعقل ومعرفة وهو يجيبني:

ـ طبعا.. يقدر على هذا.. لأن عمره فوق الاربعين..

ومنذ ذلك اليوم، رحت أدعو ربي أن يبقي أبي حياً، حتى أبلغ أنا سن الاربعين، عسى أن أتمكن من الصمود والبقاء في الحياة بعد صدمة موته، التي لم أستطع أن أتخيلها أبداً.

*    *    *

لكن الله لم يحقق أمنيتي. حانوتنا قد أغلق منذ عام 1972 بعد تعرض أبي لحادث دهس للمرة الثانية. هذه المرة بواسطة عربة نقل محلية إذ سحقت الخيول ساقه، فبقي لسنوات يسير بعكازة. بعد غلق الحانوت، دخلت أنا منذ سن السادسة عشر في معترك الطبقة العاملة، كأن تجربة الحانوت لم تكن كافية. جربت العديد من الاعمال الشاقة: عامل بناء، عامل نصب عوأميد الهواتف، عامل ليلي في معمل الزيوت، عامل توزيع في شركة الكوكا، عامل نقل في مخازن القطارات، وغيرها الكثير. بنفس الوقت كنت مستمراً في دراستي المسائية، حتى تمكنت أخيراً من انهاء دورة كاتب طابعة، فأصبحت بعمر الثامنة عشر عام 1974 موظفاً في مجلس الخدمة العامة، ثم في وزارة الصحة، حتى هجرت بلادي نهاية عام1978 .

نعم لقد مات أبي (مطر) عام 1980 وأنا بعمر الاربعة وعشرين. رغم ذلك صمدت وبقيت في الحياة، بل الاكثر عجباً، اني لم اصب بالفاجعة، ولم تذرف لي سوى دموع قليلة!

بالحقيقة أنا لم أعرف بموته الاّ بعد أكثر من عام. خريف عام 1981 كنت قد وصلت تواً الى (جنيف) بعد ثلاثة أعوام من الترحال العابث الخائب في الشرق الاوسط واوربا. لم أكن مستقراً بعد ولم يزل عنواني البريدي في دائرة البريد نفسها. اتذكر كيف اني فتحت رسالة قادمة من اختي الصغرى(احلام)، وقرأت العبارة التالية:

((نحن نفكر بك كلما ذهبنا الى (مقبرة النجف) لنشعل الشموع عند قبر أبي. أثناء أيام احتضاره وحتى آخر لحظة قبل رحيله كان يردد اسمك..))..

لا ادري لماذا لم يحقق الله رجاء طفولتي، ويمنحني الوقت لكي أشاهد أبي وأنا رجل ناضج. أحادثه وأعاتبه وأسامحه على خطاياه معي، وأشكره من كل قلبي على حكاياته التي كانت منبع ثقافتي ومصدر تربيتي، ولولاها لكنت مت حزناً وتعباً، أو ربما قد عشت ولكن كأنسان جريح مشوه بلا أمل ولا محبة.

أغلقت الرسالة، ولم أتجه الى الفندق حيث ينتظرني أصحابي، بل دون وعي مني وجدت نفسي أنحدر نحو شاطئ بحيرة جنيف القريبة. مررت في أزقة (حي باكي) التي يكثر فيها الاجانب والحانات والمباغي. كنت أسير مسحوراً أراقب الحانات المعتمة عسى أن أعثر بينها على حانوتنا. أحدق في وجوه الناس، بحثاً عن أبي وأخوتي ورجال الامن. من أعماق الحانات كانت تأتيني أصوات أغاني حزينة صارخة تذكرني بعذابات المعتقلين. دون وعي مني ناديت بأعلى صوتي رجلا ثملا متسكعاً:

ـ (أبو جورج.. أبو جورج..)!

لكنه نظرني باستغراب وهز رأسه أسفاً وغادرني.

عندما بلغت شاطئ (باكي)، كانت شمس الغروب تنساب وراء (جبال جيرا) والمساء قد شرع ينشر خيمته السوداء، والناس يعودون الى بيوتهم، وطيور البجع والبطوط تتجه الى مخابئها.

يا ترى هل هي صدفة، أن يموت أبي في الوقت الذي غادرت فيه بلادي والشرق كله وقررت الاستقرار في اوربا؟ بموت أبي، مات معه تاريخي السابق بكامله. موته ميلادي.. فها أنا قد غد غدوت رجلاً، هجرت الى الابد أبي وحانوته العجيب. أأكون قادراً حقاً ان أولد من جديد، بعمر جديد وحانوت جديد، وأن أكون أنا ذاتي أباً لذاتي؟!

مياه البحيرة ساكنة تبرق بألوان غروب نحاسية، وأنا جالس وحيد عند الشاطئ، تائه خاو بلا صوت ولا دمع وكأني أفرغت كل حزني سنوات عمري مع أبي. أنظاري هائمة بمراكب شراعية بعيدة متناثرة تطوف ثملة تائهة بلا ربان أو هدف. أمامي فنار راح يطلق أنواره الدواره لينادي التائهين في الأزمان والاكوان البعيدة. خلفي زوجان من الاشجار العملاقة، آوت اليها الوف العصافير راحت تضج بحشود من الاصوات التي تصدح في الفضاء مثل انشودة بدائية نابعة من أعماق المجهول..

دون تفكير، وجدت نفسي أتعرى من ثيابي وأهبط الى البحيرة. رغم برد الخريف رحت أغرق في الماء وأغور بعيداً بعيداً كأني أعوم في أهوار أبي..
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل الرابع : حكايتي مع أمي، وسيدتي مريم العذراء!" class="system-pagebreak" title="الفصل الرابع : حكايتي مع أمي، وسيدتي مريم العذراء!" />

 
 
الفصل الرابع
حكايتي مع أمي، وسيدتي مريم العذراء!



اعلموا يا أصدقائي أنا مثلكم، جذور حياتي منغرسة في أرض أمي. أليس (بيت الرحم) هو أول بيت يقطنه الانسان، والاشهر التسعة التي يمضيها فيه هي  فجر حياته؟!

أنا مثل كل البشر، في روحي شق الزمن نهرين، أولهما حفرته أمي لتجري فيه مياه الانوثة، والثاني حفره أبي لتجري فيه مياه الذكورة.

حياتي العاطفية مركب يجري في نهر أمي..

وحياتي العقلية مركب يجري في نهر أبي..

ونهرا حياتي هذان دائما الهيجان، فأمضي عمري في مركب سكران تتلاعب به موجات صاخبة من عواطف جياشة وعقل متمرد وسط عواصف ورعود وأمطار الزمان!

الام والاب للانسان، مثل الارض والشمس للنبات. الام هي الارض التي تنغرس فيها جذور الانسان ويستمد منها غذاء روحه ومشاعره العميقة ونسغ حياته. أما الاب فهو شمس الانسان وسماؤه التي تمنحه الشعاع العقلي والاخلاقي والديني وارادة الاستمرار في الحياة .

اذا كانت الابوة والذكورة يمنحان الانسان ارادة المستقبل، فأن الامومة والانوثة تمنحانه حنين الماضي، من ذكريات واشتياقات وآثار باقية في أعماق النفس الباطنية الدفينة. أما الحاضر فهو ملتقى الاثنين: الانوثة والذكورة، الامومة والابوة، الارض والسماء، الباطني والظاهري، الراحل والآتي، العاطفى والعقلي، الواقعي والخيالي.

العلاقة مع الام، تحدد العلاقة مع كل أشكال الانوثة في الحياة، كل ما هو حسي بدني عاطفي: الجسد والعواطف والغرائز وحاجات العيش. الام هي المنبت والاصل.. هي البيت والشبع والامان.. هي الوطن والانتماء.

ان الانسان الذي يعاني من سوء علاقته مع جانبه الانثوي، يظل طوال عمره يعاني من سوء علاقته مع الرموز الانثوية التي تتمثل بالحياة المعاشة والارض والوطن والنساء. وان كان يعاني من سوء علاقته مع جانبه الذكوري، فأنه يظل طوال عمره يعاني من سوء العلاقة مع الرموز الذكورية التي تتمثل بالسلطة بمختلف تعابيرها السياسية والاخلاقية والدينية، وعموم الرجال.

أما أنا، فمن سوء حظي، أعاني من سوء علاقتي مع  أمي وأبي. وهذا يعني سوء علاقتي مع الدنيا بأكملها بكل رموزها الانوثية والذكوريةّ!

أما أبي فقد حدثتكم عنه، فدعوني الآن احدثكم عن أمي.

*        *        *

قبل أن أسرد حكايتي مع أمي، لأسرد حكايتها هي مع الحياة. فهي لا تخلو من الغرابة والطرافة.

ولدت (وبرية) في أوائل ثلاثينات القرن الماضي، في مدينة العمارة. كان أبوها (صحن) رجلاً فقيراً انتقل من الفلاحة في الاهوار الى أعمال مختلفة في المدينة. أنا شخصياً لم التقيه، فقد مات قبل مولدي، ولكن يمكن أن أتخيله من خلال وجوه أخوالي وخالاتي (جاسم ووهاب ولزمة وطاقة) الذين يشبوهنه، ويتميزون جميعا بوجوه آسيوية (صينية) مستعرضة وبوجنات منتفخة حيث ورثت أنا بعضاً منها. لا أدري من أين أتت هذه الملامح الآسيوية، التي هي على كل حال متداولة في جنوب العراق. علماً بأن عشيرة أمي تسمى (الجعارة) وهي عشيرة تدعي أنها من (بني طي)، وربما تعود الى بلدة الجعارة (الحيرة) قرب الكوفة.  

كانت (وبرية) طفلة صغيرة لا تتعدى ست سنوات، عندما ماتت أمها (حسنة) التي كانت سيدة ذات جمال خلاب بوجه أبيض وعيون واسعة حنونة، وقد ورثت (وبرية) منها البياض البض الممتزج بالوجة الآسيوي العريض المتفتح، فبدا كأنه وجه إمرأة سلافية.

قرر الاب أن يبعث ابنته اليتيمة الى اخته (جرية) المقيمة في بغداد حيث تعيش مع زوجها (مطر) الجندي الاسمر. كانت سيدة طيبة حنونة وتحب (صحن) أكبر اخوتها. ورغم أنه كان فلاحاً فقيراً وأمياً وبسيطاً، الاّ أنه قد أحبها واعتنى بها منذ أن كانت طفلة وقد عاشت في بيته مع أبنائه. لهذا فأنها هي التي طلبت احضار (وبرية) الصغيرة لتعتني بها، وخصوصاً أن أبناءها كلهم قد كبروا وابتعدوا وهي تعيش مع ابنها الصغير(عباس). أما زوجها (مطر) فهو لا يكف عن السفر في عمله مفتشاً للقطارات.

كانت (وبرية) طفلة بالكاد تفقه معنى كل هذا عندما وجدت نفسها في بغداد في بيت عمتها التي لم تكن حتى تتذكرها. اعتنت العمة بابنة أخيها وجعلتها مثل ابنتها، وعلمتها بأن تنادي (مطر) بـ (عمي) لأنه ينوب عن أبيها، وخصوصاً وانه رجل ناضج يكبرها بحوالي ثلاثون عاما!

كانت العمة (جرية)، رغم جمالها الأميري الفتان، الاّ أن مشكلتها انها تكبر(مطر) بسنوات عديدة، وقد خلفت من زوجها المتوفي (ملا محمد) العديد من الابناء والبنات. ثم انها كانت تعاني العديد من الامراض بسبب متاعب الحياة، لهذا فأنها لم تستطع أن تمنح (مطر) إلاّ (عباس) ثم توقفت عن الانجاب. كانت المصيبة إن (عباس) المسكين أصبح بالنسبة لأبيه، ولداً عاقاً، لأنه منذ طفولته راح يسوح في الشوارع ويخالط أناساً غير مرغوب فيهم ودخل في عالم السرقة والسجون. يقيناً ان المسكين ما وصل الى هذه الحالة، الاّ بسبب اهمال والدته التي تعاني الامراض والاحزان، مع قسوة والده واهماله وانشغاله في مشاكله بعدما طرد من الجيش وأصيب بالتيفوئيد وعانى الكثير حتى اشتغل مفتش قطارات يمضي الايام في السفر بين مناطق العراق.

بما أن (جرية) كانت عاشقة ولهانة لزوجها (مطر)، وخشيت أن يفارقها ويتزوج امرأة اخرى، وجدت الحل المناسب لكي تبقيه قريباً منها. فقالت له ذات يوم :

ـ اسمع يا رجلي وحبيب قلبي.. أنا أعرف أنت تحب يرزقك الله بكثير من الابناء، وأنا مثلما تشوف توقف قطاري بسبب العمر والصحة، وما عدت أقدر أعطيك أطفال بعد هذا الولد العاق.. لهذا اريد أعوضك بمرأة تقدر تحقق رغبتك وتنطيك كل ما تريد وأكثر... خذ.. أنا اوهبك (وبرية) ابنة أخي.. ما عليك إلاً أن تصبر سنة أو سنتين، حتى تبلغ..

*        *        *

هكذا إذن اصبحت (وبرية) زوجة لـ (مطر) وهي لم تتجاوز الثانية عشر عاماً. لكن (جرية) المسكينة لم تتحمل تضحيتها هذه بعد ان رأت بعينها كيف يهجرها زوجها الحبيب ويمضي ليله ونهاره بصحبة (وبرية) ابنة اخيها. لقد بلغت بها الغيرة حداً، أنها ذات ليلة حالكة الظلام ممطرة كئيبة تجمعت فيها كل رعود وبروق الدنيا، وهي محصورة في حجرتها الطينية الكئيبة بعد أن هجرها أبناؤها وبناتها الكبار بعيداً عنها في أنحاء الوطن، وابنها الصغير(عباس) مشرداً في الشوارع والسجون، بينما زوجها معكتفاً ساهراً في الحجرة المجاورة مع حبيبته (وبرية)، فتصاعدت أحزانها وخيباتها وعافها النوم. لم يهدأ من خاطرها ذرف الدموع والبكاء على حبيبها وزوجها الاول(ملا محمد) الغائب في دهاليز الموت، فتصاعدت فيها رغبة واحدة وحيدة، أن تتخلص تماما من هذه الحياة التعسة. ما كان منها الاّ أن تذهب الى حجرة الطبخ وتناولت تنكة النفط، ثم اقتربت من باب غرفة (مطر و وبرية) وعندما تأكدت انهما نيام، فتحت الباب وتسللت بهدوء وراحت ترش النفط  في أنحاء الغرفة وهي تبكي بصمت ثم رشت الباقي على نفسها. أخرجت(الشخاطة) وراحت تقدح بالعود، مرة مرتين وثلاثة، ولم تدرك أنها قد بللت الشخاط بالنفط. ودون وعي راحت تلعن بصوت غاضب مسموع الشيطان على هذه الحالة، وهي مستمرة في محاولتها بأيقاد النيران، وفي اللحظة التي نجحت فيها بأشعال العود استيقظ (مطر) وارتمى عليها، ونجح بأطفاء النار التي وجت في ثيابها.

بعد تلك الحادثة، أصيبت (جرية) بشلل نصفي، وراحت تمضي سنواتها المتبقية متنقلة للعيش في بيوت أبنائها وبناتها، وبقي  زوجها الحبيب (مطر) وابنة أخيها (وبرية)، يزورانها  حتى توفيت بعد سنوات طويلة.  

أما(وبرية) فأنها لم تخيب أمل عمتها(جرية)، فقامت بمهمتها على أكمل وجه، فمنحت (مطر)13  طفلاً، عدا الذين ماتوا قبل وأثناء الولادة. رحل خمسة أبناء وهم رضع، وعاش منهم ثمانية، ستة ذكور وبنتين. أما أنا فكنت الوسط بين أخوتي، إذ أحمل في شخصيتي المزدوجة كبرياء الكبار وتواضع الصغار..

والطريف اني طيلة طفولتي كنت كثيراً ما أشاهد (جرية) في بيت ابن عمي (جابر) وزوج خالتي (لزمة)، لكني لم أعرف قصتها ولا نوعية علاقتها بأمي وأبي الاّ بعد وفاتها بسنوات طويلة.

*        *        *

هكذا إذن كما ترون، أمي لم تعش طفولة حقيقية وعانت من اليتم وحرمان الامومة واجبرت على ان تكون إمرأة وأم وهي في أول سن المراهقة. لعل هذا واحد من أسباب عدم قدرتها على تفهم طفولتنا وصعوبة قيامها بدور الام الحنون، لأنها طيلة عمرها ظلت في أعماقها طفلة يتيمة ولم تتمكن من بلوغ نضج الامومة.

أما بالنسبة لي، فيمكن أن اختصر وصف علاقتي بأمي بكلمتين لا غير:

ـ مشاعر (الحرمان) و (التأثيم)!

أما الحرمان، فأنه لأسباب عديدة، منها انشغال أمي بفقرها وبعشيرة الابناء والبنات، والتي بقيت تحمل بهم كل عام. كنت أنا من بين الاطفال الثمانية الذين صمدوا بوجه الفقر والمرض وأصروا على البقاء في الحياة حتى الآن. كانت أمنا بكل بساطة، مثل غالبية الامهات الفقيرات، لا تمتلك لا طاقة ولا وقتاً لكي تمنح الحب والحنان، الاّ من خلال الاطعام والتهديد والبكاء.

هنالك أيضاً سبب خاص قد ضاعف من حرماني، وهو اني منذ طفولتي المبكرة، بعمر السنوات الست، بدأت أعيش غياباً فعلياً عن أمي، وحضوراً طاغياً لأبي. أجبروني على العمل في حانوت أبي، ليلاً ونهاراً، منذ الفجر وحتى المساء، امضي وقتي بين المدرسة والحانوت. غدت حياتي ذكورية بكل المعنى السلبي للكلمة. هنالك أبي بشخصيته المهيمنة الطاغية المتقلبة المزاج والمتطرفة الى حد الجنون، بالقسوة والحنان، بالحكمة والتهور، بالتدين والمجون. وهناك زبائن الحانوت من شرطة الامن بكل فضاضتهم وطيبتهم. يضاف الى ذلك المعتقلون الذين كنت أدخل زنازينهم وغرف تعذيبهم لكي أبيع المأكولات والمشروبات لهم ولحراسهم وجلاديهم.

أمضيت سنوات طفولتي ومراهقتي في حرمان قاس من الامومة والانوثة وحنانها وأمانها. منذ طفولتي حتى هجري لبلادي لم أتذكر أنها منحتني مداعبات الامومة ولا أبدت حناناً واضحاً. ربما لأنها كانت تعبر عن جوهر عواطفها من خلال توفير الغذاء والامان لنا. أما الجانب الظاهر والحسي لهذه العواطف فأنه كان يتبدى من خلال البكاء والتشكي من عذابات الحياة والتهديد بعقاب أبينا والله.

لكي أكون عادلاً أذكر تلك الومضات من صور بعيدة غامضة تمثل بعض مشاهد الحنان الامومي : عندما كانت تجلس مع صاحباتها من أمهات الجيران، آتي وأنا طفل أضع رأسي على رجلها لتفلي لي شعري. حتى الآن أشتاق لأصوات خرخشة اصابعها في شعري وطقطقة القمل المهروس.

آخر صورة حنان بقيت في ذاكرتي، عندما كنت طفلاً مريضاً وأنا أعاني، لا أتذكر من أي من الامراض العديدة التي اصابتني . كانت أمي تحملني على كتفها لتأخذني الى (الامام الكاظم) تدعوه لكي يشفيني. كنت محموما لكني واع وانظر حولي الى الناس في الازقة. أحسست حينها بنوع من الشموخ والفخر لأني كنت محمولاً عالياً فوق كتف أمي. يالله كم احببت أمي حينذاك وكم شعرت بالفخر بها، وأنا مختال منساب بثمالة النسمات الباردة التي كانت تهب على وجهي المحموم المتعرق. رغبت لحظتها أن أعانق أمي وأبكي على صدرها، ليس حزنا بل فرحا لأني أحسست بأني  طائر محلق وأمي أجنحتي..

المشهد الآخر الذي صدمني بحنان أمي، عندما كنت قبل العشرين من عمري. اتذكر اني غبت عن البيت لعدة أيام، بسبب تنقلاتي أثناء عملي موظفا في وزارة الصحة. كنت شيوعياً غارقاً حتى النخاع بالاحلام الثورية الساذجة. يبدو ان أمي كانت قلقة على مصيري بسبب حملات الاعتقالات التي كانت تشنها السلطة أواسط السبعينات. حينما دخلت البيت، ما أن رأتني أمي اطلقت صرخة حنان (يما.. ابني) وارتمت عليَّ وقبلتني. لكنها فجأة بعد لحظات تراجعت وهي خجلة، كأنها انتبهت الى نفسها لأنها قبلتني. حينها انشدهت وانقبضت روحي إذ تحولت فرحتي الى نوع من الخيبة المكتومة لأني تذكرت بأن أمي لم تحتضني وتقبلني  ولا مرة واحدة منذ الطفولة..

*        *        *

أما العنصر الثاني الذي عانيته من علاقتي مع أمي، فهو:

(التأثيم)!

نعم انها مشاعر تأنيب الضمير التي كنت ولا أزال أشعر بها إزاء أمي وإزاء كل النساء، بل إزاء كل تعأبير الانوثة في حياتي من انتماء وطني وعاطفي.

حتى الآن احس بالوجع والحسرة وأنا اشاهد أمي تبكي وتتعذب من وحشية أبي وجنونه الانفجاري. كم كنت أود حينها لو كان الله يمنحني ما يكفي من القوى لكي آخذ أمي بين ذراعي وأحملها بعيداً عن تهديدات أبي وعذابات المرض والفقر.

والذي زاد من حدة هذه المشاعر، ان أمي مثل الكثير من أمهات بلادنا، كان (التأثيم والتباكي) هو سلاحها القتال في التأثير على الابناء. كانت عند أقل خلاف، تبدأ بالتشاكي والتباكي وهي تولول :

ـ يمى راح أموت بسببكم.. يا ابني انت سبب عذابي ومرضي.. ليش هيك يا ابني ليش..

وتشرع بالبكاء وترديد ترانيم الحسرة والخيبة والحنين الجنائزي الذي يكسر القلب ويجعلني ارتمي عليها معتذرا ومشاركا إياها البكاء.

ويا ليت أمي بلعبة (التاثيم) هذه كانت تبقى منسجمة مع ذاتها، الاّ أنها سرعان ما كانت تخون نفسها وتتنكر لعذاباتها بسلوكيات مناقضة تفجر في نفسي الطفولية مشاعر الحيرة والنقمة والتمرد. كانت تمارس معنا لعبة جهنمية خالية من الانسجام والنزاهة، إذ تراها تنتقل فجأة من لغة التشاكي والتباكي، الى لغة التهديد والوعيد وترداد العبارة الشهيرة التالية:

ـ راح أقول لابوك كل اللي سويته..

في كل مرة كنت أصاب بالصدمة وأنا أشاهدها بعد العذاب والاذلال الذي نالته من أبي، تتراضى معه وتتعلق به كأنه سيدها وعشيقها الابدي. بل كان سوء الحال يبلغ بها أن تتنكر لنا نحن أبناءها، وتوشي بنا عند أبينا لأقل الاخطاء!

كم كنت أتعذب معها وأعاني حزناً وعاراً، وأنا أراها  تهان وتتعذب بين يدي أبي ولسانه الذي لم يرحم. كان يلومها ويذلها ويصرخ بها ويشتمها ويضربها حتى العويل والدم. ثم بعد ذلك، يصالحها ويداعبها ويغسلها، وفي الليل يجعلها تبكي في حجرة نومنا التي تجمعنا، من وجع ولذة. وانا دائما كنت هنا، طفلاً بريئاً أشاهد أو أسمع ذلك الفلم الغريب المعروض أمامي، فأحتار أي مشاعر أحمل. يصارعني خبل بين حب ونقمة، فرح وغضب، فخر وعار..

لكنها أمي، الطيبة الضعيفة الحنونة، التي ظلت طيلة عمرها طفلة مغلوبة على امرها، لم تتعلم أن تكبر فعلا وتنضج وتصبح (أم) قوية.

آه لو تعرفون كم كنت اشتاق لها وهي جنبي، وانقم عليها وهي حبي وسلوتي وجوعي الذي لا يمتلي. أمضيت طفولتي وفتوتي وأنا حائر في مشاعري إزاءها. أعبدها وهي أمي وجميلتي وشهيتي، بقامتها الطفولية الممتلئة، ووجها التفاحي الفواح، وصوتها العطوف التعب، وبشرتها البيضاء البضة.. كلها محاطة بثيابها الشعبية المعتمة: عصابتها وجرغدها وفوطتها السوداء وثوبها المرقط وعبائتها الفضاضة التي كانت تغطيني حباً وفرحاً وخوفاً من المجهول.

كنت أعبدها لأنها هي التي أنجبتني وأرضعتني وغنت لي ولأخوتي ترانيمها الحزينة:

(( دللوه يا بني دللوه.. عدوك ذليل وساكن الجول.. دللوه يا بني دللوه..))..

لكن أمي كانت أيضاً نقمتي لأنها عشقي الخؤون وحبي الخائب. ظلت تلسعني مثل عقرب بهجرانها الذي لم يكن ينتهي. ترحل عني كما تشاء، نحو اخوتي الصغار، وتجعلني أرحل عنها رغماً عني، أمضي الأيام والليالي في حانوت كئيب محاطا بأبي ورجال غرباء وهوام الليل.

*     *    *

لهذا فأن علاقتي مع أنوثة الحياة، وبالذات مع المرأة والوطن، ظلت دائما علاقة قائمة على :

الحرمان والتأثيم..

اني محروم معذب أشعر بجوع وحشي لكل ما هو انوثي وجمالي في الوجود: الطبيعة بخضرتها ومياهها، الآداب (الرواية والقصة والشعر) والفنون (الموسيقى والصور والرسوم)، أما السينما فأنا متولع بها لحد الشغف والمرض، فهي بالنسبة لي ملكة الجمال وسيدة الآداب والفنون.

ان انوثيات الحياة هذه بالنسبة لي، لا تقل أهمية عن الغذاء. ولو حرمت منها لبضعة أيام لا بد اني ميت من الضجر وجفاف الروح.

أما المرأة فلا أحدثكم عنها. إنها التعبير المكثف عن كل أنوثة وجماليات الحياة، بل هي الحياة. انها حاضرة حتى في غيابها، وجودها في حياتي طبيعي ومحتم مثل الهواء، إن انقطعت عنها لدقائق أشعر بالاختناق. انها الام والزوجة والاخت والعشيقة والحبيبة والصديقة والمعالجة والناصحة والمسافرة والسائرة في دروب المدينة. ان جوعي للمرأة يجعلني أحيانا أتمنى بصدق لو أني كنت جميع رجال الارض، لكي أعيش في نفس الوقت مع جميع نساء الارض. حتى المرأة المجنونة والمعوقة والشريرة والشمطاء، أريد أن أكون رفيقاً لها مثلها رجلاً مجنوناً ومعوقاً وشريراً وأشمطاً!

أما(التأثيم)، عنصر عذابي الثاني مع المرأة، فأنه أشبه بالنفط الذي لا يكف عن تغذية نيران عنصر (الحرمان) المتوهجة في روحي.

دون وعي مني، أشعر دائما بأن لنساء الكون أجمعهن دين في ذمتي. اني رجل مارق آثم بحقهن، لأني تخاذلت طيلة أعوام طفولتي عن نجدة أمي وهي تعاني من جبروت أبي.

ليس بالصدفة أبداً اني منذ أول سن المراهقة وقعت في حب (ايمان)، ذلك الولع المدمر الذي أخذ من عمري سنوات فتوتي وأنا ألهث بعذاب ما بعده عذاب وراء فتاة غنية خلابة الجمال ظلت تسخر الى حد اللعنة من حبي المعتوه لها.

هكذا هي علاقتي مع جميع النساء اللواتي عرفتهن، بما فيهن أخواتي وزوجتي، قائمة على الشعور الحاد بالمسؤولية والغيرة على سلامتهن وكرامتهن. انها علاقة تكاد تخلو من الراحة ومشاعر الحرية والمتعة، بل فيها الكثير من القلق على راحتهن وواجب حمايتهن. انها لم تكن علاقة عادية قائمة على الحب الطبيعي والعواطف الواضحة. لأني في أعماقي بقيت أحمل تبعات علاقتي بأمي المفعمة بالغيرة على سلامتها والرغبة بحمايتها من شهوات أبي الليلية وتسلطه وانفجاراته الوحشيه.

حتى علاقتي مع الله رمز الابوه المطلقة، قد تأثرت بعلاقتي مع الانوثة. لو تأتون الى شقتي حيث أعيش وحيداً منذ أعوام، لوجدتم امامكم عند حائط الصالة محراب خشبي هو عبارة عن مرآة كبيرة في أعلاها تمثال للسيدة (مريم العذراء) حاملة لطفلها يسوع. وفي وسط المرآة قلب أحمر وعند قاعدتها مزهرية بنبتة تشبه النخلة، ثم دمية حصان أسود وكتاب القرآن.

قد تستغربون كل هذه الرموز. بالحقيقة اني لم أخطط لها ولم اخترها بحساب، بل أتت هكذا بالتدريج مع الزمن، تاركاً مشاعري الجمالية والضميرية هي التي تختار.

القرآن رمز تاريخ طفولتي وفتوتي وعنوان وفائي لشعبي. أما الحصان الأسود، فقد عثرت عليه ذات يوم عند شاطئ بحيرة جنيف وقد القته احدى أمواج الشتاء العاصفة. اعتبرته رسالة من السماء ليكون رمز فحولتي البدائية الطفولية التي أنا بطور التصالح معها. النبتة الشبيهة بالنخلة، لعلها رمز الخصب والنمو وأمور أخرى تتعلق بنخل العراق. أما القلب، فأنه رمز المحبة التي هي الطاقة الالهية العظمى المتحكمة في الكون، طاقة الصحة والفرح والتضامن، المعاكسة لطاقة الموت والمرض والحقد والغيرة والغضب..

وفي قمة كل هذا تتربع السيدة العذراء، أمي العظمى وسيدة الانوثة الالهية التي أناجيها وأصلي لها كل يوم.

أيكون الطفل يسوع رمزاً لطفولتي المفقودة، وأمه العذراء رمزاً لأمي كما كنت أتمناها؟

اني أدرك في أعماقي ان الله لا بد ان يكون أبا ذكرا، لكني لا اريد ان اعبده مباشرة، بل اشعر بالحاجة الى مريم العذراء، سليلة عشتار، سيدة الخصب والانوثة، لتكون أمي وحاميتي ووسيطتي مع الله أبي الجليل.

اني في كل صباح ومساء، أقف خاشعاً أمام سيدتي العذراء واضعاً كفي على صدرها ورأس الرضيع يسوع، أتلو (سورة الحمد) ثم أناجيها من كل قلبي:

رحماك يا أمي وقديستي وسيدة الانوثة الكونية، أنا ولدك وحبيبك، الهميني الحس الصحيح، ودليني على الدرب القويم نحو المحبة والصحة والامان..

لتحل بركاتك على أهلي وأصحابي وأحبتي وجيراني وأهل سويسرا الذين اعيش في كنفهم، وأبناء شعبي، والعالم أجمعين..

آمين يا سيدتي وقديستي وأمي الحبيبة.. آمين..
 
 

<hrdata-mce-alt="فصل الخامس : سينماتُ طفولتي.. جناني المفقودة.." class="system-pagebreak" title="فصل الخامس : سينماتُ طفولتي.. جناني المفقودة.." />

 
 
الفصل الخامس
سينماتُ طفولتي.. جناني المفقودة..


قد تستغربون يا أصدقائي، لو أخبرتكم بأني في طفولتي ومراهقتي، وجدتُ دفء الأمومة المفقودة وجذور الانتماء الوطني الغائب، في قاعات السينما! تقريباً طيلة السنوات العشرين التي عشتها في بلادي، كان العالم بالنسبة إليَّ منقسماً إلى قسمين: العالم الطبيعي خارج السينما، وهو عالم قاسٍ متعب مذلّ، ثم عالم السينما، وهو عالم طيب رطب مريح شاسع حرٌّ بلا حدود، فيه الفن والمتعة والمحبة والكرامة والجمال. منذ الطفولة، في كل مرة كنت أدخل فيها إلى قاعة السينما، كانت تسري في بدني قشعريرة شوق وخوف ولذة والفة كأني أعود من جديد إلى (بيت الرحم). حتى الآن وأنا في جنيف، ما أن تطأ قدماي قاعة السينما، تعود بي روحي إلى سينمات بغداد، فأشتاق إلى دفء وعتمة وعبق روائح أليفة، هي خليط من ذرة مشوية (الشامية) ومشروبات باردة ودخان سكاير وتعرق وعفن، وأنفاس أناس باحثين عن متعة وأحلام.

أتذكر المرة الأولى، ربما في سن الخامسة (عام1961 )، أخذني أبي إلى (سينما ميامي) في ميدان الباب الشرقي في وسط بغداد. كان فيلم (طرزان في الغابة) مع محبوبته جيني وابنه وقرده (الشيتة). كان ذلك اليوم بالنسبة إليَّ اكتشافاً عظيماً لا يضاهيه أهمية إلاّ اكتشافي لمجلة (سوبرمان)، بعد عام أو عامين.

ليست الأفلام وحدها، هي التي كانت تشدني إلى السينما، إنما تلك الأجواء العجيبة الغريبة المحيطة بها في القاعة نفسها: العتمة والترقب وتعليقات المشاهدين وتحذيراتهم للبطل (الولد) من المخاطر التي تحيق به: «لك دير بالك.. ترى راح يغدر بيك العصابجي.. لك الحية وراك عيني را ح تلدغك.. آخ يابا.. أويلاخ الملاعين التمو عليه..». ثم حماستهم في كل مرة يحقق فيها البطل (الولد) انتصاراً على أعدائه، فيتصاعد التصفيق والصفير وصرخات الفرح: «لك عيني فدوه أغديلك.. حيل .. يابا شوف شبعة كتل.. لك عوافي عليك .. تستاهل.. عيني بوسها وبوس أبوها وياها...». وأشد اللحظات حزناً وغضباً، كانت عندما ينقطع عرض الفيلم فجأة لخلل ما، وما أكثره، فينفجر الصفير والزعيق وصرخات الاحتجاج والشتائم: «لك أعور.. لك أعور..»، وما أن يعود العرض، حتى تتصاعد صرخات البهجة والتشجيع والتصفيق، ثم يعم الهدوء لمتابعة الفيلم.

كانت فترة انتظار بدء الفيلم، من أكثر الأوقات توقاً وتململاً. لا أدري لماذا كانت جميع السينمات تقريباً تبث أغاني أم كلثوم أثناء فترة الانتظار تلك. لعلي لهذا السبب لم أتعلق بصوت هذه المغنية الكبيرة، لأنها ارتبطت بفترة الانتظار المملة هذه. أما لحظات انقطاع الغناء ودق جرس الإنذار وبدء انطفاء الأضواء، فإنها كانت من أجمل اللحظات وأكثرها متعة وتشويقاً وحماساً، وعندما تبدأ الستارة بالانفتاح، وتتكشف بالتدريج الشاشة البيضاء وسط العتمة الهابطة، أشعر حينها كأن قوى سحرية ترفعني وتطير بي وسط نسيم من نور إلهي مفعم برحمة لذيذة لا توصف.

*         *        *

بقيت حتى سن العاشرة أذهب إلى السينما مع أبي وأخي الأكبر (قيس) وأخي (راضي) الذي يكبرني مباشرة، كذلك أحياناً مع أختي الكبيرة (ليلى) لمشاهدة أفلام (العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ). كانت أختي تأخذني معها خصوصاً من أجل حماية نفسها من ظنون الناس وتحرشات الشبان. وأتذكر حتى الآن فيلم (الخطايا) في (سينما روكسي) في شارع الرشيد، والزحام الشديد والتدافع واعتداءات الشبان لاستغلال الفرصة والتحرش (الطبق على البنات). وحدوث الشجارات العديدة وحالات الاختناق للحصول على التذاكر. بقي في ذاكرتي فيلم (أم الهند) الذي شاهدته مع أخي وأختي في (سينما البيضاء) الصيفية (بلا سقف حيث نشاهد نجوم السماء) في مدخل شارع الكفاح، وكان ذروة الأفلام العاطفية الهندية التي تجعل المشاهدين يبكون ويشهقون بأصوات عالية.

كنا أنا وأخي راضي، مثل غالبية فتيان العراق، السينما هي تسليتنا الأولى أيام العيد. كنا نشاهد عدة أفلام في اليوم الواحد. نأخذ عيديتنا التي لا تتجاوز بضعة دراهم، ونذهب إلى سينما السندباد، وبعدها إلى سينما الخيام، ثم إلى سينما ميامي، وهكذا دواليك. وكل سينما تعرض فيلمين في آن واحد، فكنا نعود إلى البيت منهكين ثملين سينمائياً، وقد اختلطت علينا مشاهد الأفلام، وتداخلت ملامح (هرقل الجبار محطم السلاسل) مع العصابجي (رنكو ومسدسه الذهبي) مع (شامي كابور في باريس). وطبعاً لا تكتمل متعة سينما العيد إلاّ مع سندويشات الفلافل والبيض والعنبة.

مع مرور الزمن، واستفحال مشاعر الحرمان والغربة، ومعاناتي من شغلي في حانوت أبي، وما يفرضه عليَّ من مشاهدات يومية لعذابات المعتقلين في دائرة الأمن العامة، بالإضافة إلى مصاعب المدرسة وتفاقم احساسي بالعار من فقر أهلي ومن أصلي ، بدأت أحس بأن السينما هي ملاذي ومخدري الذي يجعلني أنقطع تماماً عن واقعي. ما أن تنطفئ الأضواء، ويعم الظلام وتشع الشاشة بكونها اللامحدود، حتى أنتقل إلى عالم جديد من أحلام البطولة والمحبة والتضحية التي أفتقدها في حياتي اليومية. الآن وأنا في جنيف، كلما دخلت قاعة السينما، يسري فيَّ نوع من خدر طفولة ورهبة عابد يدخل إلى معبده، فأشرع بتمتمة تعويذات مبهمة بألفة وتبجيل لمعبودي الذي أدعوه ألا يخيب أملي، ومعبودي أنا هو الفيلم الموعود.

في سن العاشرة بدأت أذهب إلى السينما وحدي. أحياناً قليلة بعلم أبي، وفي أحيان كثيرة من دون علمه. أستغل أي فرصة للغياب عن الحانوت، فأدخل إلى السينما. كنت أحياناً أجمع النقود من عملي في تنظيف السيارات، إلى جانب عملي في الحانوت، كذلك كنت أضطر أحياناً إلى إكمال المبلغ المطلوب (60) فلساً، بسرقة بعضٍ من أرباح الحانوت. كنت أستغل المناسبات التي يبعثني بها أبي لأشتري له من شارع السعدون بطاقات اليانصيب، أو إلى ساحة النهضة لأشتري له (دجاج مَي). وفي كثير من الأحيان كنت أضطر إلى عدم إكمال الفيلم، خوفاً من أن يعاقبني أبي على تأخري. وأظل أنتظر أي فرصة للعودة إلى السينما نفسها، فقط من أجل مشاهدة الجزء الأخير الذي فاتني. حتى الآن، أحياناً يراودني ذلك الشعور المزدوج الممزوج باللذة والقلق، لذة مشاهدة الفيلم، والقلق من العقاب المنتظر.  

كانت قاعات السينما مقسمة إلى درجات وأسعار مختلفة: في الأمام قرب الشاشة هو الأرخص (خانة الشواذي ـ أي قسم القرود)، ثم يليه القسم الأوسط، ثم القسم الأخير، بعدها القسم الأعلى (اللوج) وهو الأغلى، والمفضل من قبل العشاق والعوائل. طبعاً أنا وأمثالي (ولد الملحة)، كنا دائماً في القسم الأرخص قرب الشاشة. حتى الآن في جنيف، رغم أن السعر هو نفسه في كل القاعة، أفضل أن أكون قريباً من الشاشة، لكي أشعر بأني داخل الفيلم تماماً.

المشكلة الوحيدة التي كانت تزعجني، وتسبب قلقي عند دخولي السينما، عدا عن مسألة تأخري عن والدي، هي تحرشات الرجال الشاذين (الفرخـﭼية والدودكية). هذه مشكلة يواجهها غالبية فتيان بغداد، في الشوارع والمدارس والباصات وأماكن العمل، حيث كانت تسود ظاهرة اللوطية. وهي عادة تاريخية معروفة  لدى العراقيين، لها تفاصليها التي لا تعنينا هنا. لكن لحسن الحظ أن هؤلاء الشاذين كانوا يمتلكون ما يكفي من العقلانية والأدب، لكي يبتعدوا عنك ما أن تبدي لهم رفضك لتحرشاتهم. لكن يبقى أمراً متعباً ومقرفاً، أن تظل دائماً متيقظاً حذراً وأنت جالس في قاعة السينما المظلمة، لكي تغير مكانك في كل مرة تشعر بأن شاذاً يجلس جنبك، خصوصاً حين تكون طفلاً لا تمتلك أي قوة عضلية للدفاع عن نفسك، وليس أمامك غير تهديد الشاذ بالفضيحة.

*         *        *

في أول سن المراهقة، في الصف الأول المتوسط، اكتشفت عادة جديدة مع أصدقائي في متوسطة السعدون (قرب الجندي المجهول، ساحة الفردوس حالياً). رحنا نعبِّر عن تمردنا على قمع المدرسين، بالهرب من المدرسة. كنا نتفق كمجموعة ونطفر حائط المدرسة، ونهرب لكي نتسكع في الطرقات. كنت أهرب مع أصدقائي (عوديشو الآثوري) و(عماد التلكيفي) و(سلمان الكردي)، ونبحث عن أي فيلم هندي لكي نشاهده. في تلك الفترة تعلقت بالسينما الهندية إلى حد الولع والخبل. لا يمر فيلم هندي واحد في سينمات بغداد، من دون أن أشاهده. وأحياناً كنت أشاهد الفيلم الواحد مرات عديدة. رحت أشتري كتيبات الأغاني الهندية، لكي أتعلم لفظها الصحيح. حتى الآن أحفظ بعض الأغاني الهندية وأتقن غناءها. الى الآن  أستمع إلى الأغاني الهندية وأرقص وأبكي معها.

أما أبطال الأفلام فكانوا مَثَلي الأعلى من أجل تحمل حياتي الحالية. كنت مثل غالبية المراهقين، بعد كل فيلم أشاهده، كانت شخصية البطل تتقمصني وأتماهى بها. إذا كان من نوعية أبطال أفلام الكابوي مثل رنكو وجانكو، فإني أتخذ مظهر الحزين الصامت ذا النظرات الصارمة المتفحصة الباردة، وأجبر نفسي على عدم الكلام والابتسام والضحك، وأكون مستعداً، مع كل حركة مريبة من حولي، لأن أسحب مسدسي (الوهمي) وأقوم بقفزة بهلوانية نحو الأرض مطلقاً النيران على الأعداء الذين يتربصون بي. أما إذا كان من أبطال الأفلام الهندية، أمثال شامي وشاشي كابور وراجندر كومار ودارمندر، فأني تارة أتخذ مظهر الحالم الحزين وأنا أصدح بتلك الأغاني الساحرة، وتارة مظهر المغازل اللعوب وأنا أقوم بحركات راقصة، منشداً تلك الألحان الفرحة. حتى الآن أتذكر جيداً عندما شاهدنا أنا وصديقي عماد بطو فيلم (القاتل ذو الوجه الملائكي) في سينما غرناطة، من بطولة الممثل الفرنسي الشهير (آلان ديلون)، فتقمصتنا نظرات البطل الباردة الهادئة الخارقة، حتى خيِّل إليّ بأن عيوني قد أصبحت زرقاء مثل عيون البطل.

نعم يا أصدقائي، صدقوني، إن قاعات السينما في عمر المراهقة، صارت هي أمي ووطني. فيها أجد عوالم الدفء والحنان والتضامن الإنساني المفقود. بلغ بي الأمر، أني كنت على استعداد وبصورة صادقة لأن أقبل العيش داخل قاعة السينما. أمضي حياتي، ليلي ونهاري، داخل القاعة، أعيش وأنام وأصحو، والأفلام تدور وتدور، كما يدور الزمان في جنان الله الموعودة.

*         *        *

أما في عمر الشباب الأول، بعد أن أصبحتُ شيوعياً، قبل بلوغي سن الثامنة عشرة، فإن علاقتي بالسينما اتخذت بعداً ثقافياً ونضالياً، لم أعرفه من قبل. لقد اكتشفنا ما يسمى بـ (السينما التقدمية) ودورها في توعية الجماهير ودفعهم إلى تغيير الواقع. كان ذلك في أوائل السبعينات، وقيام ما سمي بـ (الجبهة الوطنية)، التي كانت عبارة عن تحالف تكتيكي بين (حزب البعث) الحاكم و(الحزب الشيوعي) المحكوم، وكان في الحقيقة أشبه بتحالف الذئاب والخرفان. المهم، في تلك الفترة، بدأت قاعات السينما في بغداد، تعرض أفلاماً عالمية يسارية مثل (زد) و(ساكو وفانزيتي) وغيرها. كذلك راحت تقام بين حين وآخر مهرجانات سينما الاتحاد السوفيتي وباقي الدول الاشتراكية. فكان علينا نحن الشيوعيين أشبه بالواجب مشاهدة تلك الأفلام ودفع أصدقائنا لمشاهدتها من أجل كسبهم لحزبنا. والطريف أنه عند عرض أحد تلك الأفلام، كانت قاعة السينما تغص بالطرفين النقيضين، الشيوعيين وأنصارهم، ثم أعضاء المخابرات والأمن من أجل مراقبة الوضع. أتذكر مرة في سينما سمير أميس في شارع السعدون الفيلم الروسي (الغجر يصعدون إلى السماء) ضجت قاعة السينما بالتصفيق الحار، لمجرد أن أحد شخصيات الفيلم قال العبارة التالية: (إن هذا جواد عربي أصيل). ويبدو أن هذا التصفيق كان بمبادرة من أفراد المخابرات والبعثيين، وقد شاركهم الشيوعيون حماستهم العروبية من باب التضامن الجبهوي لا أكثر.

أما أنا، فرغم وضعي المالي السيء وتقتيري على نفسي حتى بالطعام، حيث كنت أشتغل كاتب طابعة في مجلس الخدمة ثم في وزارة الصحة، فقد كنت أخصص جزءاً أساسياً من مرتبي للسينما. المشكلة أني كنت أضطر أحياناً إلى مشاهدة نفس الفيلم التقدمي مرات عدة، لأني كنت في كل مرة أصطحب معي أحد المعارف لكي أكسبه للحزب. أتذكر مرة أني اصطحبت معي مجموعة من أصدقاء الحزب، أعضاء الحلقة التي كنت مسؤولاً عنها، لمشاهدة أحد أفلام مهرجان السينما اليوغسلافية في (قاعة الخلد). وكم أحسست بالخيبة والخجل والغضب وأنا أفاجأ بأن قصة الفيلم تتحدث عن عائلة يوغسلافية تعاني الويلات من البيروقراطية الحاكمة، حزباً ودولة. يا للإحراج، أنا جلبت هؤلاء الأصدقاء من أجل كسبهم للشيوعية وإذ بي أجعلهم يشاهدون فيلماً من أشد منتقدي وفاضحي النظام الشيوعي! لم يتبق أمامي بعد نهاية الفيلم إلا أن أرقِّع المسألة، باللجوء إلى التفسير المصطنع التالي:

ـ كما تعرفون يا رفاق، هذا الوضع البيروقراطي السيء موجود بس في يوغسلافيا، لأنها خرجت من التحالف مع الرفاق السوفييت، وهذا سبب انحطاط الأوضاع عندهم!؟

ورحت أشرح لهم مقولات (الرفيق العبقري لينين) عن (الدولة والثورة) وخطابات الرفيق المحبوب (بريجنيف) عن صعوبات بناء الاشتراكية، واشتريت لهم من جيبي المسكين عدة نسخ من مجلة (المجلة) الصادرة في ألمانيا الديمقراطية، ومجلة (المدار) السوفياتية، وهما مجلتان من المجلات التي كانت تحدثنا عن (جنان الاشتراكية العامرة بالمؤمنين والمؤمنات)، من خلال صور عمال بوجنات تفاحية وعاملات شقراوات ساحرات أشبه بالحوريات، وكانوا دائماً يضحكون، نعم دائماً يضحكون في كل الصفحات وفي كل الأعداد وبإصرار غريب! احتجت لسنوات عديدة لكي أدرك أنهم في الحقيقة كانوا يضحكون علينا، إحنا ولد الخايبة اللي نذرنا حياتنا وخيالنا وأحلامنا لمشاريعهم التعبانة. وكنا نحن الشيوعيين العراقيين، دون أن ندرك، عبارة عن كومبارس بائس في أفلامهم الأممية السيئة الإخراج!

حتى الآن لم أنسَ آخر فيلم شاهدته في بلادي، قبل هربي وهجرتي الأبدية نهاية عام1978 . كان فيلم (الفراشة) الشهير، المأخوذ عن قصة حقيقية لسجين فرنسي عانى الويلات، من أجل هروبه من المعتقلات العديدة التي عاش فيها، وكيف أنه أصر، وقام بمغامرات عجيبة من أجل الحصول على الحرية. شاهدته مرتين خلال أسبوع واحد، قبل سفري بأيام، لأنه كان مناسباً للفترة العصيبة التي كنا نعيشها، حيث كانت أجهزة السلطة تشن حملة اعتقالات وقمع وقتل، ضد كل المعارضين لإجبارهم على الانتماء إلى حزب البعث. وكنا نحن الشيوعيين نقوم بأكبر إنجاز في تاريخ العراق القديم والحديث، بتدشيننا لأول وأكبر هجرة جماعية عراقية إلى بلاد الله الواسعة، لتكون فاتحة تاريخية لموجات الهجرات الوطنية الكبرى المستمرة حتى الآن، والتي لم تعرفها (بلاد النهرين) منذ أن خلقها الله قبل وبعد عصر الطوفان.  

*         *        *

هذه هي قصتي يا أصدقائي مع قاعات السينما في بلادي. كما ترون لقد شكلت جزءاً أساسياً من دنياي، ورافقتني في جميع مراحل الطفولة والمراهقة والشباب الأول، حيث إني لا يمكن أن أتخيل حياتي في بلادي من دون السينما.

لهذا كانت الفاجعة الكبرى عندما زرت بلادي نهاية عام 2003، أول مرة بعد غياب دام 25 عاماً بالتمام والكمال. كانت الأماكن الأولى التي رغبت بزيارتها بعد بيوت أخوتي وأخواتي، هي سينمات بغداد. آه لو تعلمون كيف كنت ومازلت محملاً بالحنين إلى مرابع طفولتي تلك، إلى عبقها وعفنها وظلامها ومخاوفها وأحلامها التي لا تنتهي. بعد يومين من وصولي، اصطحبني أخي الأصغر (طارق) في جولة تفقدية لسينمات بغداد التي أعرفها واحدة واحدة، حتى الواقعة منها في مناطق شعبية بعيدة. بدأنا في شارع الرشيد، ثم في شارع السعدون. كانت صدمة قاسية، وغالبتُ نفسي لكبت حاجة جياشة إلى البكاء، لأني حينها فقط أدركت مدى الخراب الذي حلَّ في بلادي. عندما بلغنا (سينما الخيام)، رغم أنها كانت تعرض فيلمين خلاعيين تافهين، إلا أني رغبت في الدخول، ولو لبضعة دقائق، لمجرد أن أستعيد بعضاً من نفح الطفولة. لكن العجب حدث، حينما رأيت علامات الاعتذار والتردد على وجه أخي، وكأني كنت أطلب منه أمراً خارقاً معيباً، إذا قال متحرجاً آسفاً:

ـ «يا أخي أرجوك سامحني، نسيت مسدسي في البيت..»..  

نعم، لكي تدخل إلى سينما في بغداد، عليك أن تحمل مسدساً!! أقول هذا، من دون أي مبالغة، ويمكن أن تسألوا أي بغدادي. هكذا الحال في جميع سينمات بغداد (لا أدري إن كان نفس الوضع في باقي العراق)، التي منذ أيام صدام قد أغلقت نصفها، وتحولت إلى كراجات وكابريهات، أما النصف المتبقي، فجميعها بلا استثناء تحولت إلى أوكار للشاذين واللصوص والأشرار. هذه الكارثة لم تحدث بعد الاحتلال الأمريكي، بل منذ أيام البعث القومي التقدمي الاشتراكي، في فترة الحصار أعوام التسعينات. بما أن قاعات السينما كانت تعتبر تجمعاً للناس خارج نطاق حزب السلطة، فقد أصرَّت المخابرات على طرد الناس الطبيعيين منها، وتحويلها إلى أوكار شذوذ لا تهدد الأمن. كم اندهشت عندما اكتشفتُ أن جيل التسعينات في بغداد يجهل السينما تماماً. وعندما سألت أبناء أخي إن دخلوا السينما في حياتهم، استغربوا وإستهجنوا، كأني أسألهم عن الكباريه والمبغى!

هكذا إذاً، أثمن قطعة من ذكريات طفولتي ومراهقتي وشبابي الأول، التي وجدت دفء الأمومة ومتعة الانتماء، قد أصابها الخراب والنسيان!
 
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل السادس : ايه يا بلادي: فراتك(ايمان)، ودجلتك(خانزاد)!" class="system-pagebreak" title="الفصل السادس : ايه يا بلادي: فراتك(ايمان)، ودجلتك(خانزاد)!" />

 
 
الفصل السادس
ايه يا بلادي: فراتك(ايمان)، ودجلتك(خانزاد)!




يقال، يا أصدقائي، بأن الانسان السوي المتزن الشخصية، هو الذي يمضي طفولة مستقرة في حضور متوازن للاب والام. ان ضعف أو غياب أحد الابوين أو من ينوب عنهما، يجعل الانسان بحاجة ماسة دائمة للتعويض. يبدو ان الاطفال الذكور الذين يعانون من طغيان الام وغياب الاب أو ضعف شخصيته، يميلون بعد نضوجهم الى الاستغناء عن النساء والبحث الشاذ عن الرجال من أجل العثور على الذكورة والابوة المفقودة.

أما الاطفال الذكور، من أمثالي، الذين يعانون من طغيان الابوة والذكورة، وغياب الامومة وضعفها، فأنهم على العكس، يعانون من الجوع الى المرأة لكي يشبعوا حاجتهم الى الانوثة والامومة المفقودة في طفولتهم.

ثمة فكرة تقول بأن طاقة الجنس، هي طاقة الحياة.. إنها النقيض لطاقة الموت. وليس صدفة أبداً ان اللحظات الاولى لخلق الانسان هي ذاتها لحظات الذروة الجنسية لدى أمه وأبيه. إن أول لحظات الحياة هي نفسها لحظات الشهوة. يقال ان الجماعات الانسانية، تزداد حاجتها للجنس والاخصاب في فترات الخطر وهيمنة شبح الموت، زمن الحروب والكوارث. انهم بصورة غريزية يلجأون الى الجنس والاخصاب لكي يكافحوا طاقة الموت وخطر الفناء الذي يهددهم .

لهذا فان الجماعات والشخصيات التي تشعر في أعماقها بأنها عرضة دائمة للخطر وقلق الموت، تكون متوترة عاطفياً ومتهيجة جنسياً. نعم ان الحب بمعنييه العاطفي والجنسي، ماهو بحقيقته الاّ واحة يلجأ اليها الانسان التائه في صحراء الخوف من الوحدة والفناء.

لعل هذا، يفسر نوعاً ما، تلك الفكرة الشائعة عن شبقية العراقيين وهيجانهم الجنسي والعاطفي. فهذه من صفات الشعوب ذات التاريخ المتهيج المتقلب. العراقيون كانوا وما زالوا يعانون أكثر من غيرهم من تقلبات الحياة وغدر الزمان وكثرة الكوارث الطبيعية والسياسية. انه تاريخ قلق متوتر، جعل الانسان العراقي قلقا متوتراً عاطفياً وجنسياً.

وهذا ينطبق تماما عليَّ أنا، وبصورة متطرفة تقريباً. منذ طفولتي بدأت أعيش رعب الموت. لا ادري كيف حصل هذا. يقيناً هنالك عوامل كثيرة. جنون أبي وقسوته وتهديده الدائم لنا بقتلنا وحرقنا، بل انه ذات مرة جمعنا كلنا مع أمنا في حجرتنا الطينية وقفل الباب علينا وراح يصب النفط لكي يحرقنا، لولا تدخل الجيران. هنالك أيضاً تلك الحكايات التي لا تنتهي عن الموت وملاك الموت ومعاناة القبر والتفاصيل المرعبة عن عذاب جهنم. وهنالك مشهد موت أختي الرضيعة التي كنت أكبرها ببضعة أعوام، ونحيب أمي الذي يكسرالقلب. كلما مرت الاعوام، كانت تضيف الى روحي أسباباً جديدة لكي أرتعب من الموت الذي ظل يعني لي فراق الحياة وخصوصاً الاهل والاحبة. ان (قلق الموت) ظل يعتمل في روحي منذ طفولتي، بحيث اني خلال سنوات الطفولة الاولى كنت أخاف النوم لألاّ يغافلني (عزرائيل) ولا استيقظ أبداً.

*      *       *

منذ طفولتي كنت أمتلك كل الاسباب كي اكون متهيجاً عاطفياً وجنسياً وبحاجة ماسة الى الانوثة الغائبة، بسبب معاناتي من حرمان الامومة مع قلق الموت ونقمتي المكبوتة ضد الذكورة والابوة الطاغية على حياتي الى حد الاختناق والجنون.

لعلي في عمر السنوات الخمسة أو الستة، اكتشفت ـ هكذا لا أدري كيف ـ ممارسة العادة السرية. اتذكر وانا اقف بمواجهة سياج دائرة الامن العامة في منطقة السعدون، مختبأ وراء صندوق الزبل الضخم، رافعاً دشداشتي بحجة التبول. الغريب أني كنت امارس لذتي ورأسي  مليء بصورة خيالية جنسية ابتدعتها تماماً في ذهني ولا اعتقد اني قد رأيتها في الواقع!

يقينا ان حكايات أبي لزبائن الحانوت التي كنت أسمعها كل يوم وساعة، قد أثرت في خيالي بصورة غير طبيعية. خصوصاً حكاياته العجيبة ووصفه المفصل الذي يبلغ حد الخلاعة، لمغامرات النساء وغواياتهن الشيطانية للأبطال والانبياء والخلفاء، بالاضافة الى مغامراته هو، والتي شاهدت بنفسي بعضاً منها مع بائعات اللبن اللواتي عندما كانت تأتي احداهن ساعة الفجر، كان يرسلني الى المخبز لكي أجلب الصمون!

هكذا اذن، عند سياج الامن وخلف المزبلة، كنت أنا الطفل الوديع البريء، أغمض عيني لأسرح بعيداً بعيداً عن حانوتنا البائس وزنازين الامن المرعبة ورائحة الزبل وسكان منطقة السعدون الذين كنت أشعر بقسوة فقري ووضاعة عائلتي أمام أناقتهم وغنائهم. كنت أغرق في خيال ملون واضح كما لو كنت أراه على شاشة سينما: نساء عاريات بأجساد بضة بيضاء شبيهات بحوريات الجنة اللواتي كان يصفهن أبي، هائمات محلقات يحملنني بين أذرعهن وأنا شاب جميل أنيق أرتدي بياضاً وتشع مني أنوار طهر وعشق وتحيطني فضاءات متوهجة بزرقة فضية وجنان خضراء وموسيقى الهية تصدح في الكون. نستلقي معا على سحابة من بخار ونور وتمتد كفي لترفع ثوباً شفافاً عن حورية وتسرح شفاهي مداعبة  بشرة متوردة بحمرة فاتحة تتخللها عصيبات خضراء تضفي عليها تنويع لوني شهواني. يأخذني صوت الانثى الحنون وهي تداعب رأسي وتفلي شعري وتعلن عشقها الابدي لي، فأذوب في جسدها الشهي الطاهر وتجتاحني حمى لهيب حارق ويرتعش بدني كله برجفة ساحرة أكاد أثنائها أن أذوب وأذوب وأصبح شعاعاً من نور.. لكني فجأة انتبه الى اصطدامي بسياج الامن وأشم رائحة الزبل وأسمع الشرطة الحراس، فأفتح عيني لأكتشف بكل حسرة وخيبة اني  مازلت هنا في عالم القلق والفقر والاذلال.

لعل هيجاني الجنسي هذا كان أرحم من هيجاني العاطفي. فلم يكن لدي أي منفذ لكي أهدئه بل كانت حياتي كلها مثل النفط تصب على نيران مشاعري المكبوتة: طغيان أبي وانشغال أمي وقسوة المدرسة وعذابات السجناء وسخرية الكبار، كلها كانت تفاقم من احساسي بالوحدة والحرمان.

لهذا منذ وقت مبكر وقعت في الحب العذري المجنون، وفي العشق الشهواني المعتوه..

وكانت هنالك فتاتان مختلفتان تماماً (ايمان وخانزاد)، واحدة لانعتاقات الروح والثانية لارتعاشات البدن.

*        *       *

(ايمان) كانت نقيضي التام. ابنة (بيت القادر) تلك العائلة الموصلية الغنية سليلة الامراء والباشوات. أنا كنت فقيراً أعيش مع أبي في حانوته الوضيع، بينما هي تعيش في ذلك القصر الشامخ المجاور لحانوتنا، حيث كنت ادخل اليه أحيانا لتقديم بعض الخدمات مثل العناية بالحديقة وشراء بعض حاجياتهم من السوق، وأحياناً اللعب مع ابنهم. كنت اتبادل الكلام مع (ايمان) ببراءة اطفال ومشاعر عار من فقري ومن أصلي الشرگاوي (الجنوبي).  

المصيبة حدثت وأنا في الحادية عشر من عمري لا أكثر. في تلك العصرية من تموز عام 1967  شاهدت فلماً هندياً اسمه (دو بدن ـ الجسدان) في سينما أطلس في مركز بغداد. كنت متولها بالافلام والاغاني الهندية. كالعادة كان فلماً مأساوياً يتحدث عن قصة حب مستحيل بين شاب فقير وفتاة غنية تنتهي  بموت البطلين بسبب عذابات الحرمان والفراق.

عندما خرجت من الفلم كنت مستمرا بالبكاء. عبرت (شارع السعدون) ودخلت أزقة (محلة البتاوين) وأنا أحاول أن أخفي دموعي، مردداً مع نفسي: ((لازم احب.. لازم احب..)) لكن المشكلة المستعصية بالنسبة لي حينذاك: ((من أحب!؟)) أي فتاة.. أية ساحرة تستحق أن اعلن لها حبي الابدي الذي يجعلني أرهن  عمري ودنياي وكل حاضري ومستقبلي بين يديها..

فجأة، من دون أي تحليل أو تفكير، بزغ وجه انثوي في السماء المبتلة بدموعي. كان وجهاً مغبشاً صعب أن أحدد هويته. لكني بالتدريج بدأت أميز صوتا يتردد في أذني: (( ايمان.. ايمان ..)) نعم هكذا أدركت من دون حساب أو قرار إنَّ المرشحة الوحيدة التي تستحق حبي هي (ايمان) لا غيرها. نعم ايمان. اليست هي الغنية وأنا الفقير، كما في الفلم الذي شاهدته تواً. ورحت أشق أزقة (البتاوين) وبلغت (القصر الأبيض) وعبرت (شارع النضال) ودخلت (منطقة السعدون) ومرقت جنب حراس (مديرية الامن) حتى بلغت قصر (ايمان) الشامخ المقابل لحانوتنا وانا اردد: ((حبيتي ايمان.. حبيبتي ايمان..)).. وعندما رآني أبي، استقبلني بنظرة عتب جامدة وهو يسألني عن سبب تأخري. فأنا كالعادة قد دخلت السينما دون علمه مستغلاً ارساله لي  لشراء بعض الحاجات من أسواق الباب الشرقي.

هكذا بكل بساطة وقعت في حب (ايمان). لم تكن نزوة، بل كان حباً حقيقياً صادقاً مازالت جذوته حارة مخبئة في أعماقي. كان حباً خائباً ومستحيلاً من طرف واحد وحيد. (أيمان)، يا ليتها كانت غنية فقط، بل كانت في روحي مليكة أخطأت طريقها فسقطت على الارض بدل أن تكون في السماء! كانت بشعر ذهبي متوهج بمزيج من خيوط الشمس والقمر. عيونها خضراء ووجنتاها دائمتا التورد ترتسم فيهما نقطتان طريتان حينما تبتسم فتبدوان مثل تفاحتين ناضجتين. أنفها أوربي معقوف صغير. أما شفتاها فنحيفتان ناضجتان مبتلتان دائمتا الطراوة والاحمرار.

*         *         *

بسبب (ايمان) أخذت حياتي تتغير بسرعة فائقة. فجأة بدأت أحس نفسي بأني أصبحت يافعاً. كنت أبحث عن أي وسيلة لكي أمتلك (ايمان)، لا بالمعنى الجسدي بل بالمعنى الروحي الخالص. ليس لأني كنت بريئاً جنسياً آنذاك، لكن معبودتي (ايمان) كانت كائناً مختلفاً. منذ إن عشقتها وحتى الآن، لم يخطر ببالي حتى للحظة واحدة أن أشتهيها جسدياً. من دون أية إرادة مني أو قرار، ظلت دائما في خيالي معبودة سماوية ساحرة لا يمكن للشهوات الارضية أن تدنسها.

أتذكر الآن جيداً، اني في فترة المراهقة تلك، كنت كثيراً ما أمضي ساعات وساعات في أحلام يقظة أتخيل نفسي فيها أقوم ببطولات ترد الاعتبار لي وتكسب اعتراف (بيت القادر) بانتمائي لهم. كنت أتخيل كيف يحترق قصرهم وآتي أنا مثل (سوبرمان) وأخاطر بحياتي من أجل انقاذهم من اللهيب، وبعد أن أسقط محترقاً شبه ميت على أرض الحديقة، يحيط بي أفراد العائلة وهم يذرفون دموع الحزن والاسف لانهم أدركوا متأخرين حقيقة حبي لهم. وينتهي المشهد بمعبودتي (ايمان) ترتمي عليَّ باكيةَّ صارخة (حبيبي.. حبيبي..).

هنالك مشهد آخر، كان أقصر ولكنه أكثر تكراراً، أن يأتي شاب شرير يحاول أن يعتدي على حبيبتي، فآتي أنا وأخلصها منه أمام أهلها، لكنه يغدر بي ويجرحني بسكينه، وبنفس الطريقة ترتمي أيضاً عليَّ (ايمان) وتحتضني وهي تبكي صارخة : حبيبي.. حبيبي...

اتذكر، ان أول قصة كتبتها في حياتي، في عمر المراهقة، كانت عن اكتشاف هذه العائلة ذات يوم بأني ابنهم المفقود. قمت برسم هذه القصة على طريقة مجلات القصص المرسومة. بطلها طفل فقير يشتغل لدى تاجر، ويذهب كل يوم الى بيت التاجر ليجلب له الطعام. وذات يوم يقع حادث فيسقط الطفل مغمياً عليه، فتقوم زوجة التاجر بمعالجته فتكتشف أثراً في صدره هو نفس الأثر الذي كان على صدر رضيعها الذي فقد في إحدى فيضانات نهر دجلة. فتعرف حينها انه ابنها المفقود، فتنتهي القصة بعناق الام لأبنها وهي تصرخ باكية( ابني .. حبيبي..). على طريقة الافلام المصرية والهندية.

بما اني كنت اواجه المستحيل في كل محاولات الاقتراب العشقي منها والتصريح لها بعذاباتي، رحت افتش عن وسائل اخرى تجعلني امتلكها بطرق غير مباشرة. بدأت اتعلم الرسم، فأمضي الوقت برسم وجوه الفنانات اللواتي يشبهن (ايمان). أرسم وأرسم بحثاً عن وجهها. رسمت آلاف الوجوه، وفي كل مرة أقول هذا هو وجه (ايمان). لكني بعد ساعات أو أيام عندما التقيها من بعيد، أكتشف بأن ذلك الرسم لم يكن وجهها. فاعود من جديد الى أوراقي وألواني.

بسبب (ايمان)، تعلمت الادب. صحيح اني كنت شغوفاً بقراءة المجلات منذ الطفولة، لكني مع اندلاع نيران حبي اتجهت الى الروايات بحثاً عن قصص تشبه قصتي، مـتأملاً أن أجد حلاً لمعضلتي. اكتشفت طريقة لفتح خزانة كتب اختي الكبرى (ليلى) دون أن تعلم، وشرعت سراً أقرأ الروايات العالمية وأنا بعمر الثانية عشر، مثل (بائعة الخبز و قصة مدينتين والبؤساء والشك) وغيرها. اكتشفت رواية ضخمة من جزئين اسمها (رد قلبي) للكاتب المصري يوسف السباعي. خلبتني هذه الرواية بحيث اني اعدت قراءتها مرتين متتاليتين رغم امتحانات نهاية العام في السادس الابتدائي. كانت تتحدث عن قصة حب جارف بين (علي) ابن الفلاح الفقير و(انجي) ابنة العائلة الاستقراطية المالكة. كيف ان (علي) عندما كبر أصبح ضابطاً شارك في ثورة ناصر عام 1952 ، وكيف انه واجه موقفاً مأساوياً محرجاً عندما اضطر للمشاركة بعملية تأميم أملاك عائلة حبيبته (انجي). والحمد لله ان القصة تنتهي بزواج البطلين بفضل الثورة. الآن  في وعيي الحالي، أقول ربما هذه الرواية قد ساهمت بدفعي نحو الافكار الثورية، إذ كنت في أعماقي أحلم أن أجد ذات يوم حلاً  ثورياً يجمعني بمعبودتي (ايمان).

ومن تأثير هذه الرواية في نفسي، اني قمت باستنساخ واحدة من الرسائل المتبادلة بين (على) و(انجي)، وبدلا من (عزيزتي انجي) كتبت (عزيزتي ايمان) وفي الخاتمة وضعت اسمي بدلا من (علي). استنسخت هذه الرسالة التي يشكو فيها (علي) حبه وشغفه لمحبوبته، على ورق خاص مرسوم عليه فراشات ملونة، ثم عطرتها بعطر أخذته من أختي، ووضعتها في ظرف. تمكنت بطريقة ما من إيصال الرسالة الى (ايمان)، لكن النتيجة طبعا كانت مخيبة للآمال.

لن أنسى أبداً تلك الساعة الرمضاء من ذلك الصيف عندما نادتني (إيمان) وكان وجهها شاحباً بحمرة نارية كشمس بغداد وقد غطتها عواصف الصحراء الرملية. إمتدت كفها من خلف قضبان سياج الحديقة لتعيد لي رسالتي وهي تخاطبني بصوت طفولي بريء رغم الغضب والإرتعاش:

((خذ هذه رسالتك، قرأتها أمي وراح تحكي لأبوك...)).

أمضيت أياماً جهنمية وقد أصبحت روحي مرتعاً لمشاعر العار والخزي والرعب من عقاب أبي. رحت أصرخ مع نفسي بجنون وشعور بالأثم وكأني ارتكبت جريمة اغتصاب جميع عذراوات الكون. لكن بعد أيام نادتني أمها الطيبة وكلمتني مفتعلة جدية وغضب وهي تغصب نفسها لتخفي ابتسامتها الحنونة. أنذرتني بعدم تكرار مثل هذا الفعل الجريء وإلاّ فإنها سوف تخبر أبي.

هكذا كانت تمر السنون وأنا أراقب (ايمان) تنأى عني يوماً بعد يوم وهي تزداد نضجاً وأنوثة. وكانت ذروة صراعي الذاتي من أجلها، عندما قررت بعمر الخامس عشر التمرد على الله والتخلي عن الدين والاعلان الثوري عن إلحادي. رافضاً الـ (إيمان) بأله كان عاجزا عن مساعدتي في حبي لـ (إيمان)!

*                    *     *

أما حكايتي مع (خانزاد)، فرغم انها كانت مرتبطة زمانياً ومكانياً بحكايتي مع (ايمان)، الاّ أنها كانت النقيض في المعنى، فهي (شهوانية بدنية). لكنها كانت أيضا قائمة على الكبت والحرمان والعشق من طرف واحد.

كانت(خانزاد) شابة كردية من شمال العراق، تشتغل منذ طفولتها لدى (بيت القادر). كانت خلابة وقد منحها الله جسداً عشتارياً يبعث الحياة والشهوة حتى في أجساد الموتى. متوسطة القامة وكل مكوناتها ناضجة ممتلئة مدورة كأنها بستان من تفاح وعنجاص وبطيخ وسواقي مياه فواحة. كل انوثة الشرق قد اجتمعت في جسدها: حنطية البشرة بعيون سود واسعة وشعر أسود سرح يبرق بحمرة الحناء، وشفاه ناضجة شهوانية.  

وكانت هي تدرك جيداً أهمية جمالها الشهواني الفتان، اذ تعرف كيف تجعل شوارب أعتى رجال الأمن ترتجف وجلاً وإجلالاً أمام قامتها الخلابة. رغم عذابات العمل وإذلال الخدمة، إلاّ أن جسدها نشأ وهو يتغذى بأحسن الأطعمة وبرعاية أفضل الأطباء وأغلى الأدوية. ما أن تجاوزت (خانزاد) سن الطفولة، حتى أشرق جسدها بشموس وأقمار وجبال وأنهار قارة عذراء توحي لأي رجل يلتقيها بأنه الوحيد المهيأ لإكتشاف متاهاتها. مهما إرتدت من ثياب فإن جبلين من الشمال يظلان شامخين بتحد على صدرها. نهدان صخريان تختزن حلمتيهما ينابيع تكفي لإرواء أجيال من الاطفال والرجال.

طالما شاهدتها في المطبخ وممرات القصر وهي تسير كعادتها حافية ضاربة بقدميها البلاطات بقوة وعبث، فتسري في بدني إهتزازات لذة متناغمة مع إهتزازات ردفيها الغضين الوفيرين إذ يتموجان بثوبها كسفينتين وسط ميناء عاصف.

منذ وعيت حبي لـ (إيمان)، إنتبهت لإنجذابي الشبقي لـ (خانزاد). كم أحسست بالخزي كلما أدركت الشهوات التي كانت تستثار في جسدي على مرآها أو حتى مجرد خيالها في رأسي. كنت في كل مرة أناجي طيف (إيمان) وأعتذر لها لأن شهوتي لـ (خانزاد) قد لوثت حبي وشغلتني لذّة الجسد عن مشاعر الروح..

رغم التقارب في المستوى الاجتماعي بيني وبين (خانزاد) لكن المسافات التي تبعدنا عن بعض أيضاً كانت شاسعة، بسبب اختلاف العمر وفتنتها الخلابة التي تجعل الكثير من الرجال من بينهم الابن الاكبر لـ (بيت القادر)، يحومون حولها مثل النحل حول وردة متفتحه.

كل محاولاتي بمغازلتها قد فشلت. كانت تتسلى بإثارتي، فما أن تراني قادماً، حتى تقوم بمختلف الحركات الخليعة التي تجعل النار تشتعل في كل خلية من بدني. وعندما أقترب منها كانت تسخر مني وتداعبني مثل أخوها الصغير.

*       *       *

لم أنس ابداً تلك الامسية الصيفية التي رأيت فيها لأول مرة في حياتي جسد امرأة عارية، وكان جسد (خانزاد). أتذكر كان عمري ربما أكثر من (12) عاماً. كنت عائداً من المطبخ حاملاً قناني المشروبات الفارغة مجتازاً حديقة القصر وأنا في طريقي الى حانوتنا. كنت أعاني من حيرتي المعتادة بين خيالات حبي الطاهر وشبقي المسعور. توقفت ورحت أتسلى بقطف ثمار الليمون (النارنجي) والتهمها بهمجية وكأني افرغ فيها غضبي. إذا بي أفاجأ بنور ينبثق من نافذة غرفة المؤونة. بدا لي الأمر غريباً، وكأني لأول مرة أنتبه ان للقصر نوافذاً. لم يكن يعنيني الأمر من قبل، وكأني لم أعرف أن خلف النوافذ ثمة بشر. بل يا الله، تناهى صوت نسوي مدمدماً بأغنية تتسرب عبر تلك النافذة المضاءة. تجمدت وأنا أنصت ضاغطاً على صدري لأوقف وجيب قلبي الذي إمتزج بصوت الأغنية. كم تمنيت أن يكون صوت (إيمان)، لكنه.. يا.. الله.. صوت.. خانزاد..!!

بينما كنت ارمق النافذة وأسمع فحيح الغناء، ما عاد نور (إيمان) ولا سمائها ولا روحها لقادرة على مقاومة نداءات نيران (خانزاد) وأرضها وجسدها. إنهارت فجأة قلاع حبي وانطلقت عواصف شهوتي دافعة إياي نحو النافذة. صعدت بإرتباك وتوتر السلم الخشبى الذي يحمل ماكنة التبريد. أحسست بأن عيني تنطان وتسبقاني. إرتميت بقوة على المشبك العازل فهب بوجهي غبار كاد أن يجعلني أعطّس لولا اني سارعت بسد فمي وأنفي.

من دون مقدمات صفعني مشهد حلمي لم أر مثيله في حياتي. منذ سنوات وأنا أحلم أن أشاهد هكذا منظر، ولو في السينما أو على الاقل في صورة:

إمرأة تتعرى، وأية إمرأة هذه.. خانزاد، نعم خانزاد، بل خانزاد بأجمعها، بشعرها الليلكي ينساب كالحمم على كتفيها ونهديها، ذراعيها، بطنها، خصرها، صرتها و..و.. و

كدت أصيح فرحاً وأنا أشاهد ما انتظرته طويلاً طويلاً:

ها أنا الفتى الفقير ابن الفقير، أسمو الى مستوى أكبر الرجال وأتمكن من تحقيق أزهى أحلام البشرية بمشاهدة (إمرأة عارية)، نعم هاهي أخيراً أنوار الأنوثة تشع أمامي وتخلب بصري وروحي .. آه أيها الجسد المقدس يا حاوي كل كنوز الدنيا والآخرة، يا خلاّق يا معطاء يا صانع الملوك وملهم الشعراء، يا شاعل الحروب ومحيّ الشعوب، يا حميم يا طيب يا حنون..

تحت ضوء المصباح الذهبي بدأ كوكب (خانزاد) يشع ويكشف عن نفسه مثل قمر بين غيوم. بسملت وتعوذت وأنا أتذكر مشهداً طالما واجهته مرات عدة في الصيف الماضي: بينما كنت أسير في عز الظهيرة وشمس بغداد الحارقة تصلي رأسي وعيناي مرتعبتان من إلتماعات سيقان الموظفات العائدات الى بيوتهن، كان جنون الشهوة يصرخ بصمت في صدري. أتذكر أني رفعت رأسي حينئذ الى الأعلى يائساً متمرداً وزفرت أنين إستغاثة غاضبة. قبل أن أشهق بكلمة (يا الله) شاهدت من بين قطرات العرق المتساقطة في عينيّ، صورة غرائبية وسط السماء.. صورة ملونة ومجسمة تحمل نفس تفاصيل هذا الكوكب الدري الذي اشاهده الآن أمامي! أيكون هو إذن أحد تجليات القوة العليا المطلقة؟ لما لا.. أليس منجم الانوثة كذلك جبار مهيمن صانع خلاق مانح للحياة، عبره تتجلى روح المبدع الاعظم..

أنهت (خانزاد) خلع ثوب العمل وراحت ترتدي ثوباً داخلياً، دانتيلاً شفافاً قصيراً مفتوحاً يكشف عن صدر وذراعين وساقين. كان لونه أحمراً شفقياً يشع بوهج دام. كل جسدها استحال في عينيّ الى أحمر، كذلك وجهها، حتى شعرها صار أحمر. جدار الغرفة وفضائها وكلمات اغنيتها صارت كذلك حمراء. يدي المحمومة المرتجفة كذلك صارت حمراء..

بعد زمن طويل طويل طويل انتابتني إرتعاشة جنونية وتهاويت على الارض الطينية المعشوشبة. إنتثرت ثمرات الليمون على العشب الذي صار أحمراً. إرتميت على ليمونة وفشقتها ورحت التهم باطنها الأحمر وأنا أئن وأحمحم كذئب يلتهم فريسة..

*     *     *

عند زيارتي الوحيدة لبلادي نهاية عام 2003، بعد ذلك الغياب الطويل، كان (بيت القادر) من أهم الاماكن التي كنت أرغب بزيارتها.  

بعد يومين من وصولي، والتقائي بعوائل اخوتي وأخواتي، اصطحبني أخي طارق لزيارة مرابع طفولتي. كنت خائفاً متردداً ونحن نجتاز(محلة البتاوين) ونمرق جنب (القصرالأبيض) ثم ندخل الى (السعدون) في طريقنا الى (بيت القادر). كنت أشعر في أعماقي أن هنالك صدمة تنتظرني، مثل عاشق يخشى من اكتشاف آثار الزمن على وجه معشوقته بعد فراق عمر طويل. كنت أسير وذهني يشع بصورة قصر شامخ بجدار عالية وطوابق عديدة ونوافذ وشرفات في كل الانحاء، وشجرة نبق وافرة تطل بأغصانها على الطابق الثالث. آه يا قصر الاحلام ، ها أنا أعود اليك لأستعيد أعوام طفولة وصبا أهدرتها فيك ودمي يغلي بحزن وذل وتمرد..

وكانت الصدمة، حتى اني كدت أصرخ بأخي (أرجوك خلينا نرجع). لم أصدق وأنا أشاهد القصر! كان أصغر بكثير من ذلك الذي عرفته في صباي عندما كان شامخاً متوهجاً مهيباً مثل قصور الاساطير. ولكن يا الهي، كيف صار هكذا واطئاً شاحباً متواضعاً وقد أصابه الهرم والخراب، وبوابته عادية، ولونه البني المشمس صار طينياً كئيباً، نوافذه متكسرة وتصدعت حيطانه وبدى كأنه خالياً مهجوراً.

استقبلنا ابنهم الكبير وزوجته، بعد أن تمكنوا من تذكري. لأول مرة في حياتي أدخل القصر كضيف وصديق محترم وليس كصبي فقير. يا إلهي كم تغير من الداخل، إذ صغرت غرَفهُ وبؤست، وقاعة الضيوف الضخمة صارت متواضعة وقد قسمت الى نصفين. الاثاث المهيبة صارت عتيقة ولم يتبق منها غير لوحة تمثل منظراً طبيعاً بإطار ذهبي فاخر. كانت صور الاب والام المتوفين وأفراد العائلة معلقة على الجدار. حتى غرفة المأونة الكبيرة التي طالما راقبت عبر نافذتها (خانزاد)، قد أصبحت مسكناً لعائلة أحد الاحفاد. لقد فارق الغنى (بيت القادر) وقد تقاسمت أجزاءه عوائل الاخوة والاخوات. أما الحديقة التي تحيطه والتي كانت عامرة بأشجار الليمون والتين وأنواع الورود وشجرة النبق الشامخة، أراها قد تحولت الى أحراش جافة من الصعب التجوال بها.

علمت بأن معبودتي (ايمان) تسكن (الموصل)، أما (خانزاد) فهي في (السليمانية).  

لو تعرفوا أي أحاسيس بالخيبة والحزن اجتاحت روحي. لأول مرة منذ أن عدت الى وطني، رغم كل الخراب والدمار الذي رأيته في (بغداد) عاصمة طفولتي وشبابي الاول، ورغم كل البؤس والاذلال الذي رأيته على ملامح أبناء بلادي، ورغم فقداني لغالبية الاصدقاء والرفاق الذين عرفتهم، الاّ أني رغم ذلك تمكنت من الصبر ومغالبة الحاجة للبكاء. لكني هنا، أمام (بيت القادر) وأنا أشاهد الانحطاط الذي أصاب ذلك القصر الاسطوري الذي كان محط احلامي وخيالات حبي وعشقي، والفقر والتشتت الذي حل بتلك العائلة التي كانت أعز وأهم وأكثر تأثيراً في روحي من عائلتي، أقول حينها فقط فقدت صبري وتخاذلت قواي وذرفت دموعاً مرة بغصات حارقة جاهدت لإخفاءها عن الآخرين.

آه إيمان.. ايمان، معبودتي وحبي الأبدي، ها أنا أعود اليك، الى قصرك وأهلك .. لكن يا للخيبة، لست منتصراً مقتحماً كما كنت أحلم، بل غريباً منتكساً جريح الذاكرة، وأنت بعيدة لا أدري أين ضيعك الزمان؟ وأنت يا خانزاد عشقي، ياعشتاري ومأوى لذتي وناري، أية جبال عصية خطفتك مني؟

حتى سنوات قريبة، كنت عندما أستذكر حكايتي مع (بيت القادر) أعتقد جازماً ان كل مشكلتي كانت في حبي لابنتهم وعشقي لخادمتهم. لكني الآن بعدما زرتهم أدركت الحقيقة الكبرى: اني بمعاناتي وعواطفي وشبقي، كنت مدفوعا برغبة دفينة أصيلة صادقة، هي حاجتي لأن اكون ابنهم.. أن أنتمي اليهم..أن تكون أمهم أمي وليست سيدتي، وأن يعاملوني مثل أخيهم.

بل راحت تنتابني أحاسيس أقرب الى أحلام اليقظة، بأن (قصر القادر) كان تعبيراً سحرياً رمزياً عن بلادي التي لم أعرفها الاّ بعد أن هجرتها: ايمان روحك وخانزاد بدنك. ايمان سمائك وخانزاد أرضك.. ايمان فراتك وخانزاد دجلاك!
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل السابع : حكايتي مع الله.. صديقي الطَّيب الجليل.." class="system-pagebreak" title="الفصل السابع : حكايتي مع الله.. صديقي الطَّيب الجليل.." />

 
 
 
الفصل السابع
حكايتي مع الله.. صديقي الطَّيب الجليل..




لا أدري يا أصدقائي، إنْ كنتم تتفقون مع الفكرة القائلة، إن علاقة الإنسان مع ربه، متأثرة بعلاقته مع أبيه، لأن الأب هو أول رموز السلطة، ولأن الله هو أب الكون ورمز السلطة العليا.

بالنسبة إليّ، أُقرُّ بهذه الفكرة، لأنني لو تتبَّعتُ تتطور علاقتي مع الله، منذ الطفولةِ وحتى الآن، فسأجدها قد تأثرت كثيراً بطبيعة علاقتي مع أبي.

في طفولتي الباكرة، كنتُ مثل جميع الأطفال، لا أعرفُ من آلهة غير الكبار الذين حولي، من عائلتي، وبالذات أبي.

آه من أبي! لا أدري ماذا أحدثكم عنه! كان نموذجاً مثالياً للشخصية العراقية المتطرفة بازدواجيتها، شراً وخيراً. عندما يغضب، يتحول إلى وحشٍ ماردٍ جبارٍ مرعبٍ، يصرخ وينهالُ على جسدي لكماً ورفساً وحرقاً، ويطردني أمام الناس شتماً وإهانة لي ولجميع أسلافي، ويقذفني بالحجارة بلا رحمة،  كما لو كنتُ كلباً أجربَ. وحينما يهدأ، يا عيني، يستحيل طفلاً وفراشة ونسمة عليلة وعسلاً شهداً، يحنُّ ويصالح ويعتذر ويغسل عني أقذار هزيمتي، ويداوي جراحي، ويغنِّي لي تلك الألحان الجنوبية الحزينة، ودموع الحنين إلى ماضيه الموجع تترقرق من عينيه، فأبكي أنا معه، معتذراً عن خطيئتي، لأني أغضبته.

كنتُ في طفولتي أعبُدُ أبي، لأني أهابه وأحبه. وهكذا بالضبط عبدتُ الله، مهابةً ومحبةً. كان، الله وأبي، جهنماً حينما أهابه، وجنة حينما أحبه.

في بداية طفولتي، لم أكن أعرف بالضبط كنَهَ الله، رغم أني سمعتهم يتحدثون عنه كثيراً، وخصوصاً عن جنته وناره. كان وصف جهنم يرعبني: نيرانها التي لا تخمد، وغرفها الحاوية على كل أنواع التعذيب الخرافي، حتى أني أصبحت أخاف الموت، لأني أعرف نفسي مليئة بخطايا وجرائم لا تحصى، أخطرها أني لا أكفُّ عن إغضاب أبي وإجباره على تعذيبي؛ إضافة إلى خطايا عديدة، أقلها شتائمي لنفسي ولأصحابي. أما الجنة، آه الجنة، هنيئاً لمن يبلغها. كنت أغمض عينيَّ على وصف أبي، فأرى نفسي شاباً وقوراً جميلاً، يشعُّ مني وهج الإيمان، تتهادى من حولي حوريات من نور وبلَّور، ساحرات هائمات في عالم خصب، وخضرة وأنهار خمر ولبن وعسل.

لكن، ثمة شخصية مقدسة جبارة، كانت أول من جلب انتباهي في طفولتي الاولى، وكادت أن تكون هي رديف الله. أتذكر أن أخوتي جميعهم، في أول ولادتهم، كانوا يحملون أسفل ظهورهم، بقعة زرقاء بحجم الكف، تختفي بعد فترة. وعندما سألت أبي عن مغزاها، قال إنها أثر قدم (الإمام علي). عندما تتعسر الولادة لدى المرأة، تنخي الإمام قائلة: «احضر يا علي.. احضر..». فيأتيها الإمام، ويدخل بطنها، ويرفس الجنين على ظهره، فيخرج إلى الحياة، ويبقى أثر قدم الإمام على ظهر الطفل. والطريف أني هنا، في جنيف، لاحظتُ نفس هذه البقعة الزرقاء أسفل ظهر ابني (باسم) عندما ولد، رغم أن زوجتي سويسرية، وأنا على يقين أنها لم تنخِ الإمام علي، رغم معرفتها الجيدة به.

استحوذتْ عليَّ شخصية هذا الإمام الجبار. كنت أراه في الرسوم المعلقة على حيطان حوشنا، رجلاً مهيباً وقوراً أسمرَ بعيون واسعة كحيلة، ومعه دائماً سيفه (ذو الفقار)، ومحاطاً بولديه الحسن والحسين، وزوجته المنقبة فاطمة البتول. كان أبي يسرد عنه حكايات وحكايات: هو أزلي لا يموت، عاش مع كل الأنبياء، منذ آدم ونوح وموسى وعيسى حتى النبي محمد. له معجزات لا تحصى: كيف أنه انتقل مرة من مكة إلى الكوفة برمشة عين وبخطوة واحدة. وكيف أنه شارك النبي صحن تفاح الجنة الذي قدمه له الله عندما أسرى إليه. وكيف أنه اقتلع بيد واحدة باب قلعة خيبر، وحطم به جيش الاعداء. وكيف اكتشفتْ أمه أنه قد ظهر لها، قبل أن تنجبه، وأنقذها من براثن أسد. وكيف أن الإمام إختار أرض النجف ليُدفن بها، في قبر جدنا آدم نفسه، الذي كان عملاقاً؛ حيث إن الإمام مدفون في عينه اليمنى!

لو تدرون، كم شغفت بالإمام علي، وحسدته في سري، لأنه كان يمتلك كل هذه القوى الجبارة! لكني بقيتُ متردداً بالإيمان المطلق به، لأني كنتُ بحاجة إلى رمز مثل أبي، فيه من الضعف والوجع، مثلما فيه من القوة والجبروت. وقد وجدتُ هذا فيما بعد، في حكايات النبي إبراهيم الخليل، والنبي عيسى المسيح.

*     *     *

أما حكايتي الحقيقية مع الله، فقد بدأتْ مع وعي الأول، في عمر السادسة. ذات فجر شتوي بارد، وأنا نائم في بيتنا الطيني في (الشاكرية)، أيقظني أبي، وهو يرشُّ الماء البارد على وجهي، ويحثُّني على التحرك للذهاب معه إلى حانوته، في منطقة السعدون، جانب دائرة الأمن العامة. وعندما حاولتُ الاستعانة بأمي، كي تحميني من قرار أبي الجائر، خيبتْ أملي بخنوعها وحماستها لخضوعي. أركبني أبي وراءه على الدراجة (البايسكل)، وراح يشقُّ دروب حي (الشاكرية) المعتمة، عابراً حدود (كرادة مريم)، ثم ترجلنا من الدراجة، وشرعنا نصعد (جسر الجمهورية) المقوس مشياً لصعوبته، ثم ركبنا مرة ثانية الدراجة، ورحنا نهبط بها سريعاً، حتى ساحة التحرير، ثم ساحة الطيران، ثم شارع النضال، حتى (القصر الأبيض) ثم (منطقة السعدون).

طيلة الطريق، ورغم أن كل هذه الدروب الليلية، كانت بالنسبة إليَّ اكتشافات جديدة، وجدتُ نفسي منجذباً إلى بلاد عظمى أخرى، ليس لها أي علاقة بالأرض كلها، لأنها كانت هناك بعيدة بعيدة في أعماق الفضاء، ألا وهي ((السماء))! وأنا جالس على الدراجة خلف أبي، كنتُ مشدوهاً، ولأول مرة في حياتي، بمشهد السماء، بامتداداتها اللامتناهية ونجومها اللامحصية وهلالها المتوهج المتموج مثل تلك الفاكهة التي سمعتهم يسمونها (موز)، والتي  كنت قد رأيتها مرات، ولكن لم أتمكن من تذوّقها.

يقيناً أني كنتُ أعرف السماء مثل كل الناس، فنحن أبناء الشاكرية مثل أبناء العراق، نمضي معظم ليالينا ننام تحت السماء، ونغمض عيوننا على مرأى النجوم. لكني هذه المرة، لا أدري لماذا، وأنا جالس على الدراجة خلف أبي أعانق ظهره النحيف الدافئ، اكتشفتُ لأول مرة جبروتَ السماء. هل هو العمر، أم رهبة صمت الفجر، أم قلق اكتشاف رجولتي الجديدة في عمر الأعوام الستة، أم لأن أبي جلب انتباهي إلى تلك النجمة التي يستيقظ عادة عند سطوعها في كبد السماء، والتي يسميها (نجمة الصبح)، وهي كوكب الزهرة رمز(عشتار) إلهة الخصب الأنوثي لدى أسلافنا القدماء! خلبني مشهد انعكاس الهلال والنجوم على صفحة مياه دجلة المرتعشة مثلي من البرد. منذ ذلك الفجر البعيد البعيد وحتى الآن وأنا غارق في بحار السماء. أمضي حياتي أطوف وأسبح في مياه من نور، وأمواج من نجوم، يداعبني نسيم من خيال، ويغمرني قمر وضّاء مرتجف ينبض هنا في صدري:

ـ بويه.. منوا اللي خلق السماء..

سألت أبي مشدوهاً..

ـ الله.. الله يا ابني..

ـ وشلون ما توقع ؟!

ـ الله مثبتها بسلاسل من قدرته، يا ابني..

ـ وشنو فوق السماء؟

ـ يا ابني، هناك سبع سموات.. وفي كل سماء هناك ملائكة يعبدون الله ليل نهار، وفي السماء السابعة هناك عرش الجلالة، مقر الله سبحانه وتعالى.

ـ ومنو اللي خلق الله.. بويه؟!

بعد صمت وهمهمة، قال أبي بصوت آسف منذر:

ـ تدري يا ابني سؤالك هذا يعتبر كفر. النبي موسى سأل ربه نفس هذا السؤال، فزعل عليه، وصرخ بيه (تأدب يا موسى)!، حتى وقع (مغشياً عليه) في جبل سيناء لمدة ثلاثة أيام.. الله قادر على كل شيء، يا ابني..

لم أرتح لجواب أبي، وبقيتُ متلكئاً خائفاً حائراً.. وعندما شعر بذلك، أضاف قائلاً:

ـ اسمع ابني.. الله سبحانه وتعالى، قال في كتابه الكريم: {أنا خلقت درة، ومنها اختلقت}..

لقد أعجبتني هذه الصورة حقاً. تخيلتُ درَّة بلورية متوهجة في الكون، تفقسُ مثل البيضة، ليخرج منها إلهٌ عجوز وقورٌ جبار، كله بياض ببياض، ثوبه فضفاض، وشعره فضي، ووجهه طفوليّ جميل بلحية بيضاء ووجنتين ورديتين تفاحيتين مثل وجه (بابا نوئيل)، الذي سبق أن رأيت صورته لا أدري أين.

حينها شعرت بالطمأنينة، فعانقتُ بقوة ظهر أبي، وغرقتُ بتوهجات الهلال المتلألئ فوق عمارات بغداد، وهو يرافقنا بمسيرتنا، حتى غفوت.. ولم أستيقظ إلا على توقف الدراجة وصوت أبي يقول:

ـ وصلنا يا ابني..

*     *     *

أمضيت مرحلة دراستي الابتدائية في مدرسة (البتاوين) المجاورة للقصر الأبيض. كان غالبية تلاميذها من السريان المسيحيين (كلدان وآثوريون) من المهاجرين من شمال الوطن. حتى أني تعلمت منهم بعض مفردات اللغة الكلدانية، لاسيما عبارات القسم والشتم. كان جميع أصدقائي تقريباً من المسيحيين: عادل بطو التلكيفي، ومهران جورج الأرمني، وصبري الشقاوة الآثوري، ونمير كتو الكلداني.. وغيرهم الكثير.

أتذكرُ في درس الدين، كان غالبية التلاميذ يتركون الصف لأنهم مسيحيون، ونبقى نحن الأقلية من المسلمين. هناك صديقي الفلسطيني (محمود محمد) والجنوبي (صلاح هاتف) والكردي (عادل حاجي). نقرأ الآيات القرآنية مع الأستاذ (عباس)، الذي كان جافاً قاسياً، يتقن اللكم على الظهر وإجبار التلاميذ على ضرب أحدهم للآخر، بالإضافة إلى ما كان يشاع عنه من ميول غريبة، لأنه كان يستخدم أجساد الطلبة الحلوين كلوحة يوضح لنا عليها سير المعارك الحربية التاريخية. فكان جيش الكفار ينطلق من الرأس، وجيش المسلمين من الفخذ، ويسيران في المنحدرات حتى يلتقيان عند السرة!  

في سنوات طفولتي تلك، رغم أن أبي قد بلغ الستين من عمره، إلا أنه لم يزاول بعد تقاليد الصلاة والصوم، ولم يفكر حتى في تشجيعنا على ذلك. بقيت علاقتي مع الله قائمة على أساس الإيمان المطلق بقدرته وجبروته وتحكمه بمصير الكون وما فيه من كائنات حية. لكن إيماني هذا لم يأخذ بعداً طقوسياً يومياً. قد تستغربون إن أخبرتكم، بأني تعلمت الصلاة هنا في جنيف، بواسطة كتيب صغير. أما الصوم، فأتذكر أني جربته في طفولتي من باب الفضول ومشاركة أخوتي، لكني لم أصبر أكثر من بضعة ساعات، وسرعان ما كان يصيبني العطش فأفطر.  

لكن حكايات أبي لعبت دوراً كبيراً في توجهي نحو الله. كان أبي مثقفاً شعبياً كبيراً، والناس يأتون إلى حانوتنا، كي يسمعوا حكاياته التي لا تنتهي، عن الأنبياء والأولياء والملوك والخلفاء والجن والطناطل وشيوخ الجنوب وأغوات الأكراد والأتراك وعسكر الإنكليز، بالإضافة إلى تجاربه الشخصية وطفولته في أهوار العمارة، وحروبه في الجيش العراقي، ومغامراته النسوانية.

كان يحكي ويحكي، ويعيد الحكاية مرات ومرات؛ ولكن في كل مرة هنالك إضافات جديدة وحركات تمثيلية مختلفة، تمنح حياة جديدة لتلك الحكايات.

لا أدري لماذا أثَّرتْ فيّ حكايات الأنبياء أكثر من غيرها: حكاية آدم وحيرته مع حواء وغضبه منها، عندما أخرجهم الله من الجنة، وفراقهما عن بعضهما لفترة أربعين عاماً، حتى التقيا عند جبل عرفات، ومارسا الحب من القوة والشهوة، بحيث إن مياه خصبهما صارت بحيرة. حكاية مريم العذراء، وهي تعاني الطَّلْق تحت النخلة، وكيف خرج ابنها عيسى من فخذها (وليس من بطنها) لكي تبقى بِكراً، وكان الطفل واعياً ناضجاً، حيث انه راح يطمئن أمه كي ترجع إلى أهلها، وهو يتولى إقناعهم بطهرها وعفتها. وحكاية موسى ورميه في النيل وعيشه في بيت الفرعون.  

حكايات عديدة عن أنبياء وقديسين لا يحصى عددهم. لكن أكثر الحكايات التي أثرت في نفسي، وطلبتُ سماعها مرات عديدة، هي حكاية (النبي إبراهيم)، الذي تمرد على أصنام أهله وشعبه، وراح يبحث عن الله في السماء، فاختار مرة الشمس ومرة القمر، حتى توصل أخيراً إلى الله الكليّ المطلق. وكيف بعد ذلك، قرر الملك عقابه على تمرده على ديانة شعبه، وحكم عليه بالحرق حتى الموت. تبلغ الحكاية ذروتها، عندما يصف أبي كيف كان إبراهيم الشاب الثائر مربوطاً إلى عمود وسط الحطب المحترق وهو يستغيث بالله:

ـ يا إلهي أنقذني.. يا إلهي لا تتخلَّ عني، وتشمت بي الكفار..

وإذا بصوت إلهي جبار يهز الفضاء بذلك القول الخالد:

(يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم وآل إبراهيم..)

فتسقط الأمطار، وتخمد النيران، ويكتشف الناس صحة نبوَّة إبراهيم، ويؤمنون بأن الله حقاً هو الأوحد الأعظم لا شريك له.

لا أدري كيف، وأنا في سن التاسعة، كيف جعلتني هذه الحكاية بالذات أقرر أن أصبح نبياً مثل إبراهيم! اعتقدت بصورة يقينية بأني فعلاً مهيأ للنبوة. رحتُ في ليالي الصيف، وأنا نائم على الأرض في بيتنا الطيني في منطقة السعدون، أمضي الساعات، أرمق سماء بغداد الوضاحة الزاهية دائماً بالنجوم، أنتظر مجيء الملاك جبرائيل حاملاً لي رسالة النبوة. كنت قد علمتُ أن الربَّ قد وضع ملاكان على كل إنسان، أحدهما على الكتف الأيمن لتسجيل الحسنات، والآخر على الكتف الأيسر لتسجيل السيئات. رحت أغصب نفسي على أن أسلك سلوك الأنبياء، فتجنبت الكلام البذيء والخصام مع الأولاد وعصيان أوامر أهلي وأخوتي الكبار، ورحتُ أغتسل كل يوم، وأنتظر بأدب قدوم الطعام. وعندما أسير في الطريق، كنت أراقب الأرض وأرفع عنها قطع الخبز، لكي لا تدنسها الأقدام لأنها (نعمة الله). كذلك كنت أُبعِدُ قطع الزجاج، لكي لا تجرح الأطفال الحفاة. لكني أستغرب الآن، ولا أدري كيف حصل أني نسيت حينها أن أقرأ القرآن، وأطبِّق فروض الصَّلاة. أتذكرُ فقط أني جربتُ الصوم في رمضان، لكني وجدت المسألة صعبة، والعطش لا يقاوم، فاعتذرتُ من ربي، طالباً منه أن يسامحني مؤقتاً، وسوف أعوضه مستقبلاً عندما أصير نبيّاً.

كنت عندما أقوم بعمل حسن، أشعر بنوع من لمسة مداعبة على كتفي الأيمن، لأن ملاك الحسنات كان يطبطب مشجعاً، وهو يخرج دفتره ويسجِّل. وعند اقترافي سيئة، كأن أنظر إلى بنت الجيران أو أسرق طعاماً من المطبخ، أو ينزلق لساني بكلمة شتيمة، حينها يبدأ كتفي الأيسر يحكني، وأشعر بثقله، لأن ملاك السيئات كان يتململ وهو يقرصني غاضباً. بل إني كنت أسمع حتى فأفته وتأنيبه لي، وهو يسجل في دفتره خطاياي. فينتابني الأسف وأستغفرُ ربي، وأبصق في عبّي وأنا ألعنُ الشيطان، وأردد:

ـ امداي.. امداي... لعنة الله على الشيطان..( تباً لي.. تباً لي.. لعنة الله على الشيطان).

هكذا رحتُ أمضي أول الليل، أنتظر وأنتظر محدقاً في السماء، وكلما مرق خفاش ليل أو قدح شهاب، كنت أقفز من فراشي معتقداً بأنه جبرائيل. لكن الليالي تمر، وكلما استيقظت صباحاً حزنتُ وغضبتُ لأني لم أزل بعد إنساناً عادياً، ولم أصبح نبياًَ، فأردد مع نفسي بأن جبرائيل لا بد أنه آت في الليلة القادمة. لكنه لا يأتي، ولا حتى كلمة اعتذار من ربي الكريم. راحت الليالي تمضي والسأم يتسرب إلى روحي، حتى إني ذات صباح استيقظت غاضباً، ودون تفكير توجهتُ إلى المكان الذي خبأت فيه مصيدتي، وتناولتها ورحتُ أطارد العصافير، وأشتمها بكل الكلمات البذيئة التي كبتُّها في أعماقي طيلة أشهر. وطلبتُ من ربي أن يؤجل شغلة النبوة.

*     *      *

في نهاية أعوام الستينات، دخلتُ سن المراهقة، وبدأت ثورتي على نمط الحياة القاسي والمهين الذي كان يفرضه عليَّ أبي. لم أعد أخضع لجبروته وعقابه. كنت أصرخ وأهرب، بل كنت أهدده، وبلغت بي الجرأة أني رحتُ أشتمه وأنا أغصّ بصرخاتي الباكية، حتى ينقطع صوتي وأختنق، وأهجُّ بعيداً في الدروب، حتى يهدَّني التعب والجوع، وأعود إلى الحانوت عندما يحل الظلام. والذي ساعدني على ثورتي، أن أبي بدأ يهرم، وراح يفقد قواه وحيويته السابقة، بعد أن عانى من كسور أضلاعه ورجله في حوادث دهس عديدة، أولها بواسطة سيارة، وثانيها بواسطة عربة تجرها أحصنة، كانت سائدة في حارات بغداد.

بما أن علاقتي بالله كانت تستمد حيويتها من علاقتي بأبي، فإن ثورتي على أبي كانت هي نفسها ثورتي على الله. وقد أتى ذلك اليوم التاريخي الكبير، الذي أعلنت فيه ثورتي السماوية الكبرى، ذلك الصيف. حدث هذا في عزِّ مراهقتي، بسبب فشل حبي لمعبودتي (إيمان)، تلك الفتاة الموصلية الشقراء، سليلة الأمراء والباشوات. كنتُ في سن الرابعة عشر، وقد مضى على حبي لإيمان أكثر من أربعة سنوات، مليئة بعذابات الحرمان والغيرة القاتلة والمحاولات الفاشلة بالتقرب منها، حتى صرت أشبهُ بمخبول حائر متمرد. في ذلك اليوم المشهود، كنت جالساً وحدي في الحانوت، ينهشني الغضب والحزن، فرفعت ناظري إلى السماء المبللة بدموعي وخاطبت ربي بصوت باكٍ مبحوح شاكٍ مهدّد:

ـ يا الله.. ليش تعذبني هيـﭺ .. ارحمني يا ربي.. ساعدني يا إلهي..خلي إيمان، تحنّ عليّ وتتفهّم حبّي لها.. أرجوك يا ربي.. ترى بديت أفقد صبري، وأخاف أن أيأس منك.. افهمني يا ربي .. ارحمني يا ربي..

وكأنما أراد الله أن يتحداني، ويجعلني في مواجهة الحقيقة، التي كنتُ أرفض الاقتناع بها: أن أهجر أي أملٍ بإيمان، لأن سعة الفروق الاجتماعية والاقتصادية بيننا، تتعدى المسافة بين الأرض والقمر.

وإذ بي قبل أن انهي دعائي، أسمع صوت الخادمة (خانزاد) تناديني، عبر سياج القصر المطل على حانوتنا. كالعادة تريد تكليفي بشراء حاجة من السوق. وفي لحظة دخولي عبر بوابة قصرهم، رأيت بمواجهتي إيمان تشع بجمال عينيها الخضراوين وشعرها الذهبي ووجهها الطفولي الوردي الضحوك، وقد نضجت بسرعة، كأنها امرأة كاملة، وهي بالكاد تبلغ سن الخامسة عشرة. كان بصحبتها شاب جميل، قيل عنه إنه سليل عائلة غنية معروفة، وهو أحد الخطاب الواعدين. تحاشت إيمان النظر إلي، وقد توهج وجهها بحمرة تفاحية. ولم أكمل سيري، بل عدتُ بسرعة إلى الحانوت، لأني شعرتُ بأنَّ حريقاً، أو قل قنبلة، قد تفجَّرت في كياني، وأحالت روحي إلى شظايا تناثرت في أنحاء الكون، فرفعتُ رأسي إلى السماء، وخاطبتُ الله بصوت ناري متشظٍ :

ـ يا الله.. ليش تعذبني هيـﭺ يا ربي.. تتنكر لي بعد كل صلواتي ودعواتي.. يا ربي تتركني وحدي بهالعذاب.. وين رحمتك وعدالتك يارب؟.. وين؟.. انت طالق يا إلهي.. انت لا تستحق أبداً لا إيماني بيك ولا  حتى اعترافي بوجودك..

ثم بصقت نحو السماء، وعاد الرذاذ متناثراً على وجهي مختلطاً بدموعي..

ومنذ ذلك اليوم، رحتُ أجاهرُ بإلحادي ورفضي الاعتراف بالله. كنت ذئباً جريحاً هائجاً مكلوباً، يريد الانتقام من صياد مجهول اسمه الله، أصابني بطعنة غدر لا ترحم، وعاد إلى عرش جلالته في السماء السابعة. كل خيبتي من معبودتي إيمان، وكل نقمتي من ظلم الحياة، وكل تمردي على انفصامية أبي، تركَّزتْ على الله، ذلك الكائن الجبار الأعلى، الذي كنت أخشاه وأحبه وأعبده، لكنه سخر مني ورحل!

رحتُ أمضي جلَّ وقتي في إعلان إلحادي بالله. أستغل أي فرصة حوار، لكي أحاول أن أقنع الناس بالتنكر لله. تبنيتُ طبعاً تلك الحجة المعروفة:

ـ لو كان هناك فعلاً إله، ما كان هذا الظلم وهذه الكوارث التي تعاني منها البشرية.. حتى لو كان الله موجوداً فعلاً، فإنه بالتأكيد إله غير عادل وغير صالح للعبادة والتقديس..

والغريب أني، ولأول مرة في حياتي، بدأتُ أسمع العديد من الناس يتهمونني بـ (الشيوعية)! لأني على حد زعمهم، (أحكي مثل الشيوعيين)!

وكانت هذه بداية دخولي في عالم السياسة، وهي حكاية طويلة. لكنني كنت أغضب من هذه التهمة، وأردُّ عليها بقوة. فأنا طيلة حياتي السابقة، لم أعاشر شيوعياً، بل ما كنت أحمل عنهم غير فكرة سلبية. كان أبي وزبائن حانوتنا من شرطة الأمن، يقولون عن الشيوعية إنهم سفكة دماء بلا أخلاق، يفسقون مع أمهاتهم وأخواتهم. صحيح أني كنتُ قارئاً نهماً منذ طفولتي، لكني أبداً لم أقرأ كتاباً شيوعياً واحداً، بل جلَّ قراءاتي كانت روايات عالمية ومصرية. وفي تلك الأيام كان (نجيب محفوظ) كاتبي الأول. وكنت قد قرأت خلال عام واحد جميع رواياته.

كل هذا دفعني إلى أن أبحث عن الكتب الشيوعية، لكي أكتشف فيها اتفاقهم معي في محاربة الله. واحتجت إلى بضعة أعوام من التردد والانتظار والحوار، حتى وجدتُ نفسي قبل سن الثامنة عشرة، عام (1973)، صديقاً في ذلك التنظيم الماركسي الفلسطيني المعروف بـ (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ  جماعة جورج حبش)، ثم بعدها بأشهر عضواً في الحزب الشيوعي العراقي. كان اكتشافي للفكر الماركسي ثورة روحية وثقافية لم أنتظرها، قلبت موازين حياتي بأكملها. رحت أقرأ بشغف جنوني كل ما يقع تحت يدي من كتيبات ومجلات ماركسية، لا سيما تلك التي تتحدث عن الفلسفة المادية (التاريخية، والديالكتيكية). لو تعلمون كم كان ممتعاً وجميلاً ومريحاً ومنعشاً أن اقرأ تلك السطور التي تتحدث عن التاريخ المتحرر من سيطرة الله، والذي تقوده الطبقات الظالمة والمظلومة، وعن الكون العظيم الخالي من أي عقل مدبر وإله جبار، بل هو يقود نفسه بنفسه، وتتحكم فيه الصدفة وقوانين الطبيعة المجهولة.

آه يا أصدقائي، كم كنت حينها، أحس بلذة الانتقام، وأنا أتخيل معبودي الله، وقد صار هرماً منبوذاً بلا تاج ولا عرش ولا ملائكة ترفرف من حوله، بل إلهاً متقاعداً وحيداً مهجوراً في زاوية معتمة من سمائه السابعة!

لكني، رغماً عني، ومن دون إدراك، كنتُ قد تبنيتُ أرباباً آخرين، حلوا محل الله، بوجوه وأسماء جديدة، على رأسهم ذلك السيد الملتحي الجليل المدعو (كارل ماركس) ومساعده الطيب الحبوب (فريدريك انجلس). أما ذلك السيد الأصلع الجبار المدعو (فلاديمر إيليتش لينين)، فقد شغفتُ به، وقرأتُ معظم كتبه، ودرست تفاصيل حياته، حتى غدا في روحي سيد الأنبياء والأولياء، الذين شغفت بهم في طفولتي.   

*     *     *

أنا الآن متحرِّرٌ من حقد المراهقة وتمرد الشباب الأول. أدركُ جيداً بأني في ذلك الوقت، كنتُ في أعماقي الحقيقية، حزيناً على الله مثلما أنا حزين على أبي، الذي كان يعاني الهرم، وقد تجاوز السبعين، وامتلأ جسمه بجروح وكسور من حوادث شتى، وصار أعرج حزيناً، يبكي من غدر العمر والزمان.  

نعم يا أصدقائي، أعترف لكم الآن بأن استخفافي بالله، كان في جوهره استخفافاً بأبي وبتاريخي كله. إن تنكري لأبي، ومحاولة تخلُّصي من إرثه وأصله الوضيع المتخلف، هو دفعني لأن أتنكر لله، وأبحث عن أرباب أوربيين تقدميين ليحلوا محله!

والآن، بعد أعوام من البحث والحوار، وبعد أن أصبحت في عمر النضوج، وتفهمتُ معاناة أبي وفصامه، واستعدتُ ذكريات طيبته ومحبته، وسامحته على قسوته ووحشيته، تمكنتُ كذلك من التصالح مع الله وأرجعته إلى عرشه الأعظم في سمائه السابعة، واعترفتُ به، ليس فقط كجبّار جليل، بل جعلته صديقي الطيب الحميم. جنته راحة ضميري، وجهنمه مشاعر إثمي.. أعيش في كيانه ويعيش في كياني..هو الشجرة وأنا الورقة..هو البحر وأنا الموجة..هو البدن وأنا الخلية.. به أدرك وجودي وبي يدرك جبروته.. هو الخالد وأنا الخالد أيضا معه.. أحيا وأموت وأحيا ما دام هو حياً..     

علاقتي مع الله صارت مباشرة، بلا وسيط ونبي ورسول. أناجيه في كل مكان وزمان، في معابد جميع الأديان، في بيتي والبحيرة والغابة، في الحانة والمرقص والسينما، لأني أعرف في كل الأحوال أني عندما أناجيه يترك عرشه، ويسكن في أقدس بقعة من كياني، في لب قلبي..

لكني يا أصدقائي، بين حين وآخر، أشعر بأسف وحسرة لأني لا أستطيع أن أرجع أبي الى الحياة، ليكون أيضاً صديقي الطيب الجليل. رغم اني في أعماقي أدرك جيداً، ان أبي  مثل الله، مازال حياً في خبايا الكون، وعندما أناجيه، يهبط هنا في معبدي.. في لب قلبي..
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل الثامن : البحث الابدي عن إمرأة وبلاد!" class="system-pagebreak" title="الفصل الثامن : البحث الابدي عن إمرأة وبلاد!" />

 
 
 
الفصل الثامن
البحث الابدي عن إمرأة وبلاد!




يا أصدقائي، اذا كان الانسان شجرة وبلاده هي الارض التي ينبت فيها، فان أمه هي جذوره الاولى التي أنبتته وغذته في هذه الارض.

لهذا يظل الرجل دائما بحاجة الى المرأة لكي يمد جذوره في الحياة، في الارض. وعندما يغترب، فإنه يظل أجنبياً ولن ينتمي، الاّ بعد أن يجد امرأة  تشده الى البلاد الجديدة وتنبت له جذوراً في أرضها.

هل هذا يعني ان المرأة لا تحتاج الى التجذر لانها هي الارض والجذور. اذن لعلها تحتاج الرجل لكي يشعرها بأنها هي بيت رحم وأرض وجذر ووطن؟

لهذا، فأن البحث عن المرأة بالنسبة للانسان المغترب، لا يعني فقط البحث عن المتعة، بل هو في أعماقه بحث عن الانتماء والتجذر في الارض الجديدة.

تركت العراق وعمري تجاوز العشرين، وأنا لم أزل بكراً عاطفياً وجنسياً. رغم اني ابن (بغداد)، وعشت كل حياتي بين منطقة (السعدون) البرجوازية وحي (البتاويين) المسيحي، بالاضافة الى اني أمضيت سنوات شبابي الاولى، شيوعياً تقدمياً، أؤمن بحرية الجنس، وانه بسيط وعادي(مثل شربة مي) كما يقول سيدنا (لينين).

نعم كنت (بكرا)، بكل معنى الكلمة، رغم جوعي الجنوني للعواطف والتلاقي..

هكذا، في نهاية الشهر الاخير من عام 1978 أخذت الباص من (بغداد) الى (اسطنبول) ثم الى (صوفيا) عاصمة (بلغاريا) حيث أمَرَنا الحزب الشيوعي أن نتجمع هناك. كانت هي المرة الاولى التي أغادر فيها بلادي، ولم أكن أتصور أبداً أنها المرة الاخيرة!

كعادتي، ورغم قناعتي المختفية في أعماق عقلي الباطني بأني راحل في سفرة طويلة طويلة، وربما ستدوم العمر كله، الاّ أني مع ذلك كنت بحاجة الى أن اقنع نفسي وأصحابي بأني قريباً سأعود، لا بد أن أعود، من أجل أهلي وناسي وبلادي وذكرياتي وطفولتي ومراهقتي، التي مهما كانت مؤلمة فإنها تظل زاهرة في تلافيف قلبي.

كنت بحاجة الى أوهام العودة لكي اهدئ ذلك الحيوان المتجبر الكامن في روحي والذي أسميته حينها: (أسد)! كان لا يكف عن الزئير المتكبر والزعيق بشعارات الوطنية والثورة والكرامة الانسانية، لكي يطمئن فحولتي الجريحة أولاً، وأيضاً ليمنحني الحجة أمام الآخرين بأني مازالت ملك غابتي وسيد كياني. لكن ازدواجيتي المعتادة، لم ترض بهيمنة ذلك (الأسد) وحده على روحي، فهنالك أيضاً (ثعلبي) الانثوي الباحث عن المتعة والامان، والذي كان يدرك تماماً نواياي العميقة ورغباتي العتيقة بالرحيل الى اوربا لتحقيق احلامي بالحرية والثقافة والمرأة. لكن (ثعلبي) هذا فضَّل الانزواء في تلك الفترة تاركاً (أسدي) يصول ويجول  في روحي على أمل أن يأتي اليوم الذي يتعب فيه وينتكس، وهذا الذي حصل بعد معاناة وخيبات.

لم نبق أنا ورفاقي، في (اسطنبول) سوى ليلة واحدة، إذ كنا مستعجلين لبلوغ (صوفيا) جنتنا الشيوعية الموعودة. نعم صوفيا، كانت محطتنا الأولى الى عالم المنفى والهجران، وهي أيضاً صدمتنا الأولى بأحلام الشباب. وصلتها شتاء عام 1979، وفيها شاهدت الثلج على الارض لأول مرة في حياتي، وقد تحول الى رعب لأنه ما كفَّ عن زلقي واسقاطي أمام الناس، حتى إني إنزويت خوفاً في الفندق حتى ذاب.

كانت بلغاريا تمثل لنا صورتين ورديتين متداخلتين: الحضارة الأوربية بكل عنفوانها الأشقر، والنظام الشيوعي بجنانه المزدهرة بأعاجيب الألوان. لقد أوهمتنا ثقافة حزبنا ودعايته البراقة بأن الشعوب الإشتراكية تعيش في واحات خضراء من الحب والسلام. روح التضامن الأممي يتحلى بها حتى الجنين في بطن امه. ترى الناس ليل نهار يفكرون بنا، نحن رفاقهم الذين نكافح من أجل أن تصبح أنظمتنا البرجوازية مثل أنظمتهم الإشتراكية!

هربنا من بلادنا ونحن مقتنعون بصورة لا تقبل الشك بأن بلغاريا ستستقبلنا بحشود من الشبان والشابات بوجنات وردية وباقات زهور حمراء وهم يصدحون بنشيد الأممية. ما أن تطأ أقدامنا أرض الإشتراكية المقدسة حتى تنهمر دموع الإعجاب والتضامن وتعلو صرخات:((تحيا الشيوعية .. تحيا الشيوعية..)).

ها نحن شباب العراق المكافحون المفلحمون بنيران الشبق الثوري التي لن تخمد إوارها الاّ بانتصارنا الساحق في سوح العشق والثورة، قد بلغنا أرض الخلاص ونحن على يقين بأن الرفيقات البلغاريات الحمراوات الشقراوات سوف تتصاعد بهن درجة الحماس الإممي والإعجاب ببطولاتنا بحيث انهن سيصرن على مواساتنا ورعايتنا حتى الهزيع الأخير من الليل لإتمام عملية التلاحم الرفاقي وبناء المستقبل الواعد الذي سنعيش فيه بثبات ونبات ونخلّف شيوعيين وشيوعيات.    

لكن الصدمة الكبرى كانت بأنتظارنا. لم نجد أي شيء من هذا، ولا حتى جزءاً منه، بل فوجئنا بكل ماهو نقيض! لقد حلت الكارثة عندما إكتشفنا بأن هؤلاء الإشتراكيين ما كانوا أبداً ملائكة أمميين، بل ما هم الاّ بشر مثلنا، يعانون الحاجة ويشكون خيبة الأحلام، بل معظمهم يسخرون ويتذمرون من الشيوعية.

بدأت الصدمة عندما استقبلنا بوليس الحدود بجفائهم وعنجهيتهم، ثم بعدها في داخل البلاد وجدنا الموظفين البيروقراطيين بقوانينهم الصارمة التي حشرتنا في فنادق باردة. الأنكى من هذا ان المواطن البلغاري لم يكن يهمه إن كنت شيوعيا أم لا، بل المهم أن تجلب له بناطيل الكاوبوي الأمريكية والشاي الهندي وأي شيء من أزبال الغرب الملونة. ثم هناك الفقراء من الغجر واللصوص وتجار السوق السوداء والعاهرات الحالمات بالدولار، يملئون شوارع صوفيا. وكانت الكلمة الوحيدة التي تعودت عليها آذاننا: (شنج.. شنج.. تصريف .. تصريف..)، لكي نعطيهم الدولارات لقاء (الليفات) الوطنية.

كنّا آلافاً من الشباب الحالمين بالثورة والمجتمع الطوباوي، محتشدين في فنادق صوفيا بانتظار المصير. كانت فترة حاسمة في حياتنا. لم تكن فقط المرة الاولى التي نكتشف فيها حقيقة المجتمع الاشتراكي، بل أيضاً حقيقة حزبنا. فظهرت أمامنا للعيان سلوكيات قياديينا الذين كنّا نجلَّهم في وطننا بسبب الحياة السرية. الآن نكتشف سلوكياتهم بكل عيوبها ونقاط ضعفها، لكي ندرك أخيراً بأنهم ما كانوا أبطالاً متسأمين بل بشراً مثلنا، يرتكبون الفضائح والخلافات والوساطات والمحسوبيات والخيانات..

راحت الصدمات تتراكم وتتراكم حتى وصلت بالتدريج الى تلك القناعة المخيبة القاسية على النفس: أن عائلتي الشيوعية التي اخترتها لتكون بديلاً عن عائلتي الاصلية، لم تكن بالنقاء والعظمة التي تخيلتها..

*            *            *

بعد ثلاثة اشهر من الاقامة في (صوفيا)، قرر الحزب نقلنا الى (لبنان) الذي كان يعيش ذروة حربه الاهلية. كان السائد ان الرفاق المقربين من بعض قادة الحزب يتم ارسالهم في منح دراسية جامعية وحزبية الى الدول الاشتراكية، أما الآخرون فيتم ارسالهم الى (لبنان) للتدريب في معسكرات الفلسطينيين على فنون القتال، ثم يتم نقلهم الى شمال العراق، لمشاركة الميليشيات الكردية في حربها ضد السلطة.

منذ الاسبوع الاول تم طردي من معسكر التدريب في جنوب لبنان، لأني لم أكف عن نقد الحزب وأساليب التعامل البيروقراطي السائدة.

رغم تحرري من الحزب، الاّ أن لم أتجرأ بأن أتحرر من تبعيتي لذلك (الاسد) اللعين الذي لم يكف عن الزئير في روحي لكي أبقى متمسكاً بدور المكافح  من أجل الثورة وتحرير الوطن. هكذا اضطررت أن أمضي حوالي العامين بين بلدان الشرق الاوسط، في خوض تجارب ثورية طائشة وصبيانية ومخيبة تماماً. كانت سوح (بيروت) و(دمشق) أشبه بالسوق السياسي الذي تزدحم فيه دكاكين المنظمات والاحزاب التي تبيع كل ما ترغب من بضائع الشعارات الخلابة. وكنت أنا مثل غالبية الشباب الحالمين، منبهراً مأخوذاً بهذه الشعارات التي لو طبق جزء ضئيل منها، لتحررت جميع الشعوب، ولغدت الكرة الارضية أكثر جمالاً وعدالة من جنة الله.

والطريف ان جميع هذه المنظمات والاحزاب كانت كلها تدعي اليسارية والماركسية والثورة الشعبية. وما كان يمر يوم، الاّ ونشهد ولادة منظمة جديدة وانشقاقاً في واحدة ونهاية لأخرى. والكثير من هذه المنظمات الجماهيرية جداً، تتكون من بضعة أشخاص. بل إننا عرفنا منظمة كانت تتكون من شخص واحد يعتبر هو القيادة والقاعدة، وكان يعقد اجتماعات مع نفسه تنتهي دائماً بالخلاف والخصام، حتى انتهى صاحبنا الى الانشقاق على نفسه ثم الجنون والموت التراجيدي.

وأخيراً، وبعد تجارب عديدة بائسة ومخيبة، تكشفت لي الحقيقة المذهلة:

إن جميع قادة ومؤسسي هذه المنظمات، هم مزيج عجيب من أشخاص يعانون من (داء العظمة ـ ميتامان) بسبب فشلهم الدائم في تحقيق أحلامهم، ورجال أعمال فاشلين وجدوا في العمل الثوري مجالاً مربحاً من خلال التعامل المخابراتي مع القوى العالمية والاقليمية النافذة في المنطقة.

بعد عامين من توالي الخيبات والصدمات فقدت الامل تماماً بالنشاط السياسي الحزبي. قلت لنفسي إني أبداً لم اخلق لخوض مثل هذه اللعب السياسية التي تحتاج الى أشخاص يمتلكون روح الحيلة والحذر والمراوغة وفن التعامل مع الآخرين وكشف خباياهم. أما أنا فبروحي الطيبة وحماستي البريئة التي تفترض دائماً حسن النية لدى الآخرين، فإني أبداً لست مهيئاً للنشاط السياسي.

تجارب الاعوام الاخيرة جعلتني أنضج وأقترب من ذاتي الحقيقية المكبوتة، ذاتي الثقافية الانسانية الباحثة عن الخلاص في الحوار والتفكير والثقافة والابداع، بعيداً عن زعيق الشعارات الثورية وألاعيب السياسة المقيتة.

حينها فقط تمكنت من اتخاذ قراري التاريخي الاعظم :

هجر السياسة والاحزاب والشرق الاوسط كله، والرحيل الى اوربا، هدفي الحقيقي. من أجل بلوغ حلمي منذ الطفولة، بأن أكرس حياتي للدراسة والكتابة، والبحث عن أرض تأويني وأمرأة تصنع جذوري.

هاهي اذن قد ازفت ساعة تمردي على هيمنة (أسدي) الطائش وإسكات زئيره الفحولي الزائف. وضعته في قفص حصين في أقبية روحي، وأطلقت سراح (ثعلبي) الانوثي المسالم الطيب وتركته ليقودني في الطريق الى اوربا .

*            *            *

كانت (روما) هي محطتي الاوربية الاولى وقد بلغتها في الشهر الاخير من عام1980 . لم أخترها، بل لان السفارة الايطالية في (دمشق) هي الوحيدة التي وافقت على منحنا الفيزة مع صديقي (تراث) رفيقي في التجارب المخيبة.

لكني بلغت روما وحدي، بعد أن أعاد الايطاليون صديقي تراث الى سوريا. لم أكن أمتلك غير(100) دولار لا تكفي للعيش حتى لأسبوع، ولا أعرف أي مصير ينتظرني. هل أبقى في ايطاليا، أم أي بلاد أخرى توافق على إيوائي.  منذ اليوم الاول بعد لقائي بالعراقيين والاجانب هناك أدركت الحقيقة المرعبة التالية:

إما قبول الهزيمة والعودة الى الشرق الاوسط، أو القبول باقتحام غابة الهجرة الوحشية، والكفاح في كل خطوة لشق دربي نحو بحر الانوار.

كنت مقتنعا بأن عودتي تعني نهايتي الروحية ثم موتي البدني، انتحاراً أو طيشاً، فقررت البقاء ومواجهة المجهول. هكذا أمضيت ثمانية أشهر مفعمة بتجارب ضاهت في حدتها ما عشته في الشرق الاوسط. زاولت رسم الكاريكاتير والبورتريت في سوح روما. وبما أن العمل كان متقطعاً بسبب مضايقات البوليس، وأرباحه محدودة لا تكفي لمعيشتي ودفع ايجار الفندق، فأني كثيراً من الاحيان كنت أضطر في الليالي للمبيت في القطارات والبيوت المهجورة، المقطونة بالمئات من الشبان الصعاليك والمشردين من مختلف أنحاء العالم. وكانت هذه الاماكن عرضة لغزوات البوليس الليلية وهجماتهم بالقنابل الغازية والكلاب المسعورة. وقد زاد من سوء أحوال الاجانب في تلك الفترة وتبرير قمعهم الوحشي، هي محاولة اغتيال البابا من قبل شاب تركي.

وكثيراً ما كان يجبرني الجوع وسوء الحال الى مرافقة المشردين لتناول الطعام في الكنائس.

نعم أنا المناضل الثوري والمثقف الحالم، وجدت نفسي محاطاً بجماعات من الضحايا الطائشين الذي كانوا يعتاشون على سرقة السواح وإرضاء الرجال الشاذين. لقد أصبح مصدر ثقافتي الاول الاستماع الى تلك الحكايات البائسة عن السرقات والمشاجرات والخيانات ومطاردات البوليس والبغاء الذكوري.

كنت حزيناً منتكساً وأنا أشاهد بعيني ضياع شبان بلادي الذين هربوا من نيران الحرب الطاحنة الدائرة بين العراق وايران، على أمل أن يجدوا في اوربا مأوى طيباً يحميهم من العوز والتشرد.  لكن تفاهة القوانين ومصاعب الحدود والفيزة وحياة الجوع والانتظار، أجبرتهم أن يفقدوا بالتدريج براءتهم ويتخلوا عن احلامهم الرومانسية لينحدروا في مستنقعات الخطيئة!   

كانت أقوى الصدمات التي واجهتها، هي سرقة جوازي والثلاثمائة دولار التي جمعتها من عملي وجميع أوراقي وعناويني وهويتي ووثائقي الرسمية. حدث هذا في شهر حزيران وأنا في طريقي الى سويسرا بعد أن اكتشفنا اسلوباً سرياً لأجتياز حدودها. في مدينة (بولونيا) غافلوني وسرقوا حقيبتي الصغيرة التي تحوي كل حياتي. كانت كارثة هزتني وجعلتني أدور في الشوارع استغيث بالله وألعن القدر. اضطررت ان ألغي رحلتي وأعود منتكساً الى روما لكي أشتغل من جديد وأجمع ما يكفي من النقود وتدبير السفر.

الآن وأنا في إدراكي الحالي، أقول لعل سرقة حقيبتي كانت تعبيراً عن رغبة دفينة في أعماقي لكي أتخلص تماماً من كل بقايا الماضي، حتى الوثائق والاوراق والعناوين، لكي أبلغ سويسرا بريئاً نظيفاً مهيئاً للولادة من جديد..

*   *   *

يمكنني أن أقول بأني في هذه الدنيا قد ولدت مرتين وعشت عمرين. حياتي الاولى عندما ولدت في بغداد. وحياتي الثانية عندما ولدني المنفى هنا في جنيف.

يبدو أن السنوات الثلاث التي أعقبت مغادرتي لبلادي، كانت فترة مخاض لولادتي الجديدة التي ستتم هنا.

في حياتي الاولى كانت أمي هي التي منحتني الحياة وغذتني وكانت أرضي التي امتدت فيها جذوري. أما في حياتي الثانية، فكانت زوجتي، هي التي منحتني الحياة والانتماء.

نعم (ماركريت) كانت المرأة الاولى في حياتي بعد أمي. أقول هذا ليس مجازاً، بل حقيقة. فأنا عندما وصلت الى جنيف، رغم أن عمري كان 25 عاماً الاّ أني لم أتعرف على امرأة بصورة حقيقية. طيلة السنوات الثلاثة التي أمضيتها في بلدان الشرق الاوسط ثم ايطاليا، لم تتح لي سوى علاقات عابرة بلا نتائج تذكر. بقيت محروماً من المرأة بصورة لعينة ووحشية.

هنا فقط تعرفت حقاً الى هذه المرأة التي أصبحت زوجتي..

والغريب انها لم تساعدني فقط على مد جذوري في هذه الارض الجديدة، بل كذلك في أرض بلادي البعيدة!

التقيتها في أول ربيع بعد وصولي ببضعة أشهر. أصابني العجب عندما عرفت أنها تحّضر لدراسة تخرج جامعية عن (سيرة بني هلال). أنا الشيوعي الحداثي المتمرد على الدين والتقاليد الذي أتى من الشرق (المتخلف)، الى اوربا بحثاً عن الحضارة والفكر النّير، وأتفاخر أمام الاوربيين بسماعي لبتهوفن وموزرات ودراستي لكارل ماركس وجان بول سارتر، وإذا بي أمام فتاة سويسرية تكرس وقتها لدراسة خزعبلات شرقية عاف عليها الزمان مثل هذه السيرة الهلالية!

وكان هذا الدرس الاول في حياتي الذي تعلمته منها بكل محبة وتواضع: أن أعتز بالميراثات الادبية والفنية للشعوب، وانه ليس هنالك ثقافة شعبية متخلفة.

من هذه النقطة بالذات بدأت أكتشف هول (الاحتقار الذاتي) الذي كنت أحمله إزاء نفسي وإزاء شعبي. رحت أعيد النظر تماماً بكل مواقفي الاستعلائية السطحية المعادية لتراث بلادي، التي علمتني إياها الحداثة والشيوعية.

أشياء لا تحصى رحت أتعلمها منها، خصوصاً تذوق أنواع الموسيقى، واكتشاف قيمة الطبيعة. كما أخبرتكم، كنت جاهلاً تماماً بالطبيعة. أنا ابن مدينة بكل المعنى السلبي للكلمة. بفضل زوجتي، بدأت أدرك أن في الكون ثمة شيء اسمه (الطبيعة). أولاً سويسرا، بجبالها وغاباتها وبلداتها وأنهارها وبحيراتها. ثم باقي العالم بشعوبه وميراثاته وطبيعته المتنوعة..

كلما كنت أكتشف سويسرا، كنت أحس بحاجة باطنية لا تقاوم، لأن أكتشف العراق..

لأول مرة في حياتي يأتيني الفضول لكي أدرس بلادي، تاريخها وناسها وأديانها وطبيعتها.. وكم يصيبني الحزن كلما ادرك بأني جاهل بواقع بلادي، ولم أعرفها في الواقع بل بالدراسة فقط ..

هكذا مع الزمن، كلما امتدت جذوري في أرض سويسرا، كانت جذور روحي تمتد في أرض بلادي..

حتى أصبحت خلال أعوام، مختصاً تماماً بالعراق، وكرست حياتي لإحياء الهوية الوطنية. حتى كتاباتي الادبية، رواياتي وقصصي، كانت رغماً عني تتمحور حول العراق..

لم أكن أدرك حينها أن (إمرأة القارورة)، تلك السيدة الخالدة التي ظلت خلال آلاف الاعوام تعيش في قارورة، يتوارثها جيل بعد جيل، أبناء عن آباء، كانت هي أمومتي وأنوثتي وبلادي القابعة في قارورة روحي.

*   *   *

بقيت لأعوام وأنا أرغب بصدق أن أنتمي الى سويسرا. تعلمت لغتها ودرست تاريخها وتزوجت من احدى بناتها وربيت ولدي أن يكون فخوراً بأنتمائه اليها. لكني مع ذلك رغم كل هذه السنوات الطويلة، لا أستطيع أن أجزم بيقين بأني انتمي فعلاً اليها.

كنت أتصور إن ألعيب يكمن في سويسرا نفسها، لكني غيرت وجهة نظري بعد زيارتي لبلادي عام 2003 لأول مرة بعد غياب أكثر من 25 عام. هناك وأنا في (بغداد) مدينة طفولتي وشبابي الاول وبين ناسي واخوتي ، احسست بأني غريب وتواق للعودة بأسرع وقت الى (بلادي) سويسرا!

حينها فقط اكتشفت الحقيقة التالية:

أني سويسري في العراق، قدر ما أنا عراقي في سويسرا!

أما في البلدان الاخرى، فأحس دون تردد بأني عراقي وسويسري في الوقت نفسه. وقد صادفت مرات عديدة وأنا في الخارج، أن أشعر بالارتباط والرغبة بالتواصل مع مسافرين سويسريين، حتى وإن كانوا يتكلمون الالمانية!

نعم أنا أنتمي الى سويسرا والى العراق، قدر ما أنا غريب عنهما.

هكذا حتم عليَّ المصير أن أظل أجنبياً حتى لو عشت في بلاد الملائكة.

الذي لم يستطع أن ينتمي الى بلاده وأرض ميلاده وأسلافه، أيمكنه ان ينتمي لبلاد اخرى؟

من لم يستطع أن ينتمي الى ماضيه، أيمكنه أن ينتمي الى حاضره؟

انه سؤال أعيشه دائماً وأبحث له عن جواب في كل ساعة من عمري..

في كل الأحوال وبانتظار الجواب، أحاول أن لا أضفي على حالتي أية مأساوية، بل أجعلها نوعاً من اللعبة المسلية فيها غنى وتلون، مثل الذي منحه الله (أم)ين طيبتين مختلفتين، يشعر بالغربة عنهما، لكنه مع ذلك يحبهما.
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل التاسع : عندما زارني حضرة السرطان!" class="system-pagebreak" title="الفصل التاسع : عندما زارني حضرة السرطان!" />

 
 
 
الفصل التاسع
عندما زارني حضرة السرطان!



أعرف يا أصدقائي ان اسم (السرطان) يرعبنا جميعا. لكني الآن أقل رعباً وأكثر تفهماً، بعد أن زارني منذ عدة أعوام، ومكث زمناً في بدني وروحي، ثم رحل. وقد خرجت من التجربة بالخلاصة التالية :

(حضرة السرطان) مثل جميع الامراض الخطيرة، ليس عدواً، بل رسول يحمل رسالة شكوى وألم نابعة من أعماق الروح والبدن!   

ذات صباح ربيعي دافئ مشرق من عام 2001، في الساعة العاشرة تقريياً، كان موعدي في المستشفى، مع الطبيبة التي ستخبرني بنتيجة فحص الدمامل التي تم اقتلاعها من وتري الصوتي بعملية صغيرة منذ أيام. كان وجهها طيباً ونظراتها لا تخلو من محبة وعطف وصوتها كان دافئاً متضامناً، وهي تلفظ جملتها التاريخية:

ـ النتيجة المختبرية ياسيد مطر، بينت أن هنالك سرطاناً في حنجرتك..

بكل محبة وبساطة فجرت الطبيبة جملتها التي أحسستها جبلاً وسماءاً وقنبلة ماحقة سقطت على كياني وأحالت دنياي الى وجود مظلم صامت جامد ميت!

لم أعد أحيا في عالم الواقع، كما لو كنت قبلها صبياً مغروراً يختال  في درب ريفي أليف يرتاده بلا تفكير ولا حذر منذ أعوام وأعوام، وجد نفسه فجأة يسقط في هوة مظلمة مرعبة لم يتوقعها أبداً.

خلال لحظات فقط انقلبت حياتي رأسا على عقب. صرت فراشة هائمة تحوم حول بركان نيران هائل. نبضات قلبي ضجيج مطارق عملاقة تدوي في كل خلية من بدني : ( دوم م م.. دوم م م.. دوم م م..)!

عبر هدير الرعب الذي سيطر على روحي وأحالها الى ماكنة موت كونية، كانت تأتيني كلمات الطبيبة لتحاول أن تخفف عني وقع الخبر، مثل رعود نائية تتفجر في سماء وجودي دون أن أميز معانيها. كنت انظر اليها وأشاهد عيونها عسلية تشع حنانا، وشفاهها وردية رقيقة تنطق بصوت دافئ خجول، لكنها لم تعد أمامي حقيقة واقعية، بل صارت ممثلة تحتل شاشة رؤياي في واحد من تلك الافلام المأساوية التي تنتهي بموت البطل.

كل ما تبقى لدي من عقلي الواعي، سمح لي بأن التقط من الطبيبة بضعة كلمات فهمت منها بأن استاذهم الكبير مدير القسم سوف يعاين حالتي  بعد أيام لكي يقرر إن كنت بحاجة الى عملية خاصة.

طبعاً لم أفهم منها ماذا تقصد بالعملية الخاصة، لكني بعد وقت طويل، بعد شفائي التام، فهمت مقصدها:

ـ حضرة الاستاذ كان هو الذي سيقرر إن كان سرطاني يمكن أن يشفى بواسطة العلاج بالاشعة الخاصة، أم إن هنالك ضرورة قصوى لأجراء عملية اقتلاع وتري الصوتي منعاً لأنتشار الورم.. أي فقداني الابدي للقدرة على الكلام!

الحمد لله اني حينها لم أفهم كلامها هذا، وإلاّ لا أدري ماذا كان يمكن أن يحصل لي؟ فهمت فقط بأن الاستاذ سوف يقرر العملية أم لا. أي نوع من العملية.. لم أنتبه.. أو لعلها هي التي تقصدت عدم التوضيح!

لا ادري كيف عدت الى البيت. سرت على اقدامي لمسافة أكثر من كيلومترين، بين شوارع المدينة المزدحمة تماما في تلك الساعة. كنت ثملاً بالصدمة منقطعاً عن الحياة، وفكرة واحدة وحيدة هيمنت على كياني:

ـ كيف حصل هذا؟!

لم أنتبه لأي من الوجود حولي، لا الناس، ولا الشمس الساطعة، ولا نهر الرون الاخضر الدفاق المتوهج، ولا الحدائق المزدهرة بورودها المتفتحة، ولا نساء المدينة اللواتي ينتظرن أية ساعة دافئة لكي يكشفن عن مفاتنهن التي حلل الله رؤيتها والتي حرمها. عبرت عشرات الشوارع وصدمت العديد من الناس ومرقت أمام ما لا يحصى من السيارات، ودافعت وزعقت واعتذرت وشتمت وصفنت ودمدمت مع نفسي، وأنا في انقطاع تام عن الوجود:

ـ يا الله، ليش هيك تغدر بي.. شنو جريمتي.. من طفولتي وأنت تعذبني وتحرمني، ومع هذا آني رجعت لك واعتذرت منك ورحت اقضي وقتي بشق طريقي المناسب لبلوغ حقيقتك.. ليش يا الله ليش؟!

كانت روحي ساعتها قد عادت الى زمن سحيق عند اسلافي البدائيين ما قبل الحضارة، وانعزلت في واحد من كهوفهم المظلمة الكامنة في تلافيف كياني. لم أبك ولم أنتفض ولم أسقط  فاقداً وعيي، بل حافظت على وجودي البدني ولكن من دون أي روح ولا شعور ولا أية علاقة بالحاضر.

بقيت طيلة ساعات وحيداً في شقتنا، بلا زوجتي التي كانت كعادتها تحاضر في الجامعة، ولا ابني الذي تجاوز العشرة أعوام في مدرسته المجاورة.

في المساء كان ظلام الكارثة قد استقر مرتاحا وانتشر في تلافيف كياني. لم امتلك الجرأة بأن أخبر زوجتي. عندما عادت وسألتني عن النتيجة، أجبتها بتردد، بأن الطبيبة قالت لي بأن هنالك دماملاً قد تصبح خطيرة،  يتوجب علاجها الآن. المهم أنا لم أتجرأ وألفظ كلمة (سرطان). لكنها من روحي المعتمة ومن صوتي المبحوح الحزين شعرت بأن هنالك أمراً خطيراً أخفيه عنها. أما ابني الوحيد الطيب الجميل، فقد شعر هو الآخر بما يجول في دواخلي، لكنه اضطر أن يقتنع بكلامي بأن هنالك دماملاً عادية في حنجرتي تستحق العلاج البسيط.

طبعاً اضطررت بعد أيام أن أخبر زوجتي بالحقيقة المرعبة، أما ابني فلا!


*      *      *

في تلك الايام  وأنا أعيش صدمة اكتشاف المرض، سيطرت عليَّ فكرة واحدة وحيدة.. كل ساعة، بل كل لحظة ولحظة ولحظة ، كنت أطرح على نفسي ذلك السؤال العصي :

ـ كيف حصلت هذه الكارثة، وكيف التخلص منها؟؟!!

كل كياني استحال الى جهاز سحري لكشف الحقائق المخبئة. كل خلية وكل فكرة وكل شهقة حياة، كانت تشتغل بوحشية وتنبش بعنف مثل رجل آثار مخبول يبحث عن بقايا أسلاف مازالت أطلالهم تعبث بها الريح في بوادي نائية. رحت أسترجع كل لحظة من حياتي، حتى قبل ميلادي ولحظات تكوني في رحم أمي:

ـ  ياالله كيف حصل هذا؟!

انه قدر غدار سقط مثل غضب رباني على قوم عصاة!

رحت أردد مع نفسي مثل جميع الذي تقع فجأة الكارثة على رأسهم:

ـ كنت اتوقع أن يحدث هذا لكل الناس، إلاّ لي؟! هكذا السرطان مرة واحدة.. يا الله هكذا تبتليني بأخطر الامراض وأكثرها شراسة ورعباً!! ولماذا أنا ؟ من دون هذه المليارات، أو تلك الآلاف من الخاطئين الذين يستحقون أقسى أنواع العقاب، أو على الاقل أولئك اليائسين الفاقدين للأمل بكل أنوار الحياة والباحثين عن الهجران والموت. لماذا يا الله اخترتني أنا بالذات، وأنا الذي ما توانيت عن الاقتراب منك منذ أعوام وأعوام، بعد أن تخليت عن إلحادي، ورحت اقترب منك مثل بدوي تائه في صحراء يبحث عن واحة نجاة. كما تراني يا الله، ها أنا، رغم عطشي وجوعي وإنهاكي، مازالت مصراً على تيهي وتجوالي بحثاً عن سراب ايماني بك. يا الله، يا سيدي الجليل الرحيم، تسامَ بي عن مستنقع اليأس هذا، الى سماوات طهرك النوراني.. يا الله لا تخذلني ولا تهجرني ولا تخيب أملي بك. ياالله انا لك كما أنت لي.. يا الله..

لقد عافني النوم. كنت أترك سريري، لأمضي الليل في الصالون (غرفة الاستقبال)، أعمل المستحيل لكي أنام. تارة أسخن شراب أعشاب مهدئة، وتارة أفتح التلفزيون، وتارة أقرأ، وتارة أتذكر ماضيٌ، العراق وبغداد  وأهلي، فأبكي أو أضحك وأناجي جبار الوجود بحثاً عن الطمأنينة وهدوء النوم. وعندما تتفاقم حالتي، كنت في آخر الليل وفي الفجر أخرج الى الشوارع المعتمة والحديقة القريبة بأشجارها العملاقة لكي أركض وأمارس تمارين شهيق وزفير آملاً بإبعاد شبح الموت الذي كنت أراه رابضاً بعينيه الحزينتين الجائعتين عند بوابة دنياي. نعم كان هنا تحت قلبي، بالضبط عند معدتي، كنت أحس بنيران حارقة تهتاج بين حين وآخر كلما تذكرت بأن حضرة السرطان، شبح موت، يتجول في أعماقي مثل جيش جرار مستمر بأجتياح مملكتي!

مع الايام بدأت أتفاهم بصورة عقلانية مع فكرة تعرضي لخيانة من قبل الكون أجمعه. عدت الى تلك الفلسفة التي أنا مؤمن بها منذ أعوام، لكني تناسيتها اثناء الصدمة:

إن الضحية مهما كان بريئاً فإنه لا بد أن يكون بصورة لا واعية متواطئاً مع الجلاد.. واذا كانت ثمة خيانة ما، فإنها من قبل دواخلي نفسها. لولا تواطئي أنا نفسي لما تمكن هذا المرض المفترس من اختراق قلعة كياني. نعم، ثمة تواطئ خطير من قبل روحي وبدني، عليَّ أن أعرفه.

بدأت ادرك بالتدريج بأن هذا المرض، مثل كل الامراض والازمات الخطيرة التي تقع على الانسان، ما هي الاّ نذير واحتجاج من قبل الكينونة الداخلية ضد نمط حياة غير صحي وتدميري. مثلما يحتج الشعب ضد ظلم الدولة عبر التمرد والثورة، كذلك يعلن الكيان عن رفضه لسياسة الانسان ونمط حياته الظالم للروح والبدن، عبر الامراض والازمات الحياتية الكبرى.

لقد آن لي أن أعترف لنفسي بأني أمضيت السنوات السابقة، أعوام التسعينات، في نمط حياة غير طبيعي ولا صحي بل كان انتحارياً وتدميرياً. منذ حرب الكويت وما لحق ببلادي من هزيمة وما أعقبها من سنوات حصار وما جلبته من مصائب ونكسات انسانية ووطنية ظلت تتفاقم يوماً بعد يوم، جعلتني أمضي ساعات يومي في تفكير سلبي ومشاعر إثم وكأني أنا المسؤول عما يحدث لشعبي وأهلي. لم يهدئ ضميري بأني لم أكن مسؤولاً عما حصل، بل أنا أيضا كنت ضحية لخطايا الآخرين، أعاني الغربة والحاجة وما أكف عن التقشف من أجل ارسال النقود الى أهلي لأعينهم على مواجهة الحصار. لكن صوت العقل كان عاجزاً عن إسكات صرخات الاثم التي كانت مثل الوحوش تفترس روحي وتجعلني أشعر بعار العجز والهزيمة، فكنت التجأ الى الخمرة والحشيشة عسى أن أداوي جراحاتي. ما فاقم من معاناتي أني وجدت نفسي أهجر الادب والرواية وانكببت على الكتابة الفكرية والسياسية في الصحافة وخوض الحرب الجدالية ضد القوى السياسية العراقية التي اعتبرتها مسؤولة عن الكارثة، ما جعلني أتعرض للعنات وحملات تشويه وحرب أعصاب واجهتها وحدي ضد مؤسسات اعلامية جبارة نجحت بأن تؤذيني نفسياً لأني نجحت أن أؤذيها ثقافياً.

ما زاد في ضعفي وانحداري نحو الهاوية، إني لجأت الى الخمرة والحشيشة والتسكع ليلاً في الحانات والمراقص، على أمل أن أنسى وأنفقد في عوالم ثمالة ورقص جنوني. كنت أهجر عائلتي وأصدقائي وأمضي الليالي وحيداً كئيبا منعزلاً في المراقص لكي انزف حزني ودموع عاري واثمي في باحات رقص تستحيل الى بحار كونية من ألوان وأحلام، أصحو منها عند الفجر فأعود الى الدار وقد زاد حزني واثمي وعاري.

كنت عندما استيقظ في الصباح، أعاني الصداع الذي لا تنفع معه حتى عشرة حبات أسبرين، ثم أبدأ بالتقيوء والشكوى من الآلام في كل نقطة من جسمي. أبقى طيلة اليوم أجول مثل وحش في قفص، أتناول الاسبرين وأتقيأ وأشرب الماء وأشتم نفسي وأقسم بكل ما لديَّ من ايمان، بأن تلك كانت المرة الاخيرة التي أقترب فيها من الخمرة والحشيشة، حتى تخف آلامي بالتدريج عند المساء..

لكن ما أن تمضي بضعة أيام، وأعود الى الحياة اليومية وما تحمله لي الاخبار من نكسات واذلال على كل الاصعدة الشخصية والوطنية، حتى أبدأ أنتكس من جديد وأتخلى بخجل عن قراري وأعود في نهاية الاسبوع الى نفس المسرحية التراجيدية المعتادة: أمضي الامسية مع الاصدقاء لكي نتباكى على أخبار الوطن، ونتبادل الشكوى والخمرة والحشيشة والنميمة والغيرة والحسد والخصام، حتى يحل منتصف الليل فأعتذر منهم وأفارقهم لكي أتسكع حتى الصباح في الحانات والمراقص.  

يبدو أن الجماعات البشرية التي تعاني الهزيمة والانكسار والاذلال من قبل الاقوياء، بصورة لا واعية تبحث عن ضحايا أضعف منها لكي تفرغ فيها ذلَّها وهزيمتها لكي تستريح وتشعر بأنها قوية وقادرة على الاستمرار بتحمل ظلم الاقوياء. بل الانكى من هذا أن هذه الجماعات المنكودة، كثيراً ما تختار ضحيتها من أقرب الناس اليها وأكثرهم محبة وتعلقاً بها. إنها المازوشية بكل معنى الكلمة، والتي تتجلى برغبة الانتقام من الذات وحرمانها من الذين يحبونها ويفيدونها. لهذا إن من أول علامات انحطاط أي حضارة وأي شعب، انه يبدأ بمعاداة وتدمير العناصر الخيرة فيه.

هذا بالضبط ما كان يحصل معي من قبل أصدقائي العراقيين في مدينتي، الذين ما كفوا عن محبتي وادراك أهميتي لهم، إذ كنت أمضي ليلي ونهاري لكي احبهم وأتآلف معهم تعويضاً عن عائلتي الكبيرة المنسية في الوطن. كنت اجهد بكل أخوة لكي أجمعهم وأنشر روح المحبة والحوار بينهم، الاّ أني مع ذلك، لم أكن أتلقى منهم غير الغيرة والحسد والنميمة التي بلغت حد تآمر بعضهم ضدي مع سفيرالعراق آنذك الذي كان من عائلة صدام، وتحطيم سمعتي بنشر أشاعات وتهم ساذجة مضحكة ليس لها أي أساس من الصحة. كان بالامكان أن أسخر من تلك الشائعات وأتعامل معها بأريحية ورجولة، لو كنت في حالة نفسية مقبولة. لكني بما اني كنت أعاني الهزيمة الداخلية ومشاعر الاثم الجنونية إزاء تاريخي الشخصي وما يحصل لوطني وشعبي، فأني كنت ممزقاً متعباً ضعيفاً، قابلاً لأن أثير في الآخرين تلك الشهوات الذئبية للأفتراس. وهاهم أقرب الناس لي، الأذلاء المنهزمون مثلي، الذين ما كفوا عن محبتي والتعلق بي، ما كفوا أيضاً عن افتراسي بلا رحمة!

ان ما حصل لي من أذى من قبل النخب العراقية في العالم ومن قبل أصدقائي في مدينتي، لهو تعبير مكثف عما كان يحصل لقوى الخير في مجتمعنا من خيانة وتآمر وتجاهل وتواطؤ مع قوى الشر والدكتاتورية. هكذا هي الشعوب عندما يصيبها الانحطاط، تنتشر فيها روح المازوشية والانتحار الذاتي، فتتآمر حتى مع أعدائها لكي تقضي على محبيها وأنبيائها. فلا يتبقى من يقودها غير المنحطين مثلها والجبناء والعملاء والمخادعين، وهكذا تدوم الكارثة..

كل هذه الضربات والاحباطات المتتالية أحاطتني مثل وحوش مفترسة راحت تنهش بلحمي وروحي بلا رحمة، فسقطت.. نعم ها أنا أسقط أخيراً صريعاً جريحاً بين براثن السرطان..

*      *      *

في تلك الأيام فقط  بدأت اكتشف حقيقة مشاعري التي لم أكن أتوقعها أبداً:

ان الذي كان يشدني الى الحياة هو حبي.. نعم حبي لزوجتي وابني، أولاً، ثم لأهلي في العراق ولاصدقائي وأحبتي في سويسرا والعالم. كان الموت بالنسبة لي هو الفراق.. فراق الاحبة.. فراق الاحبة .. فراق الاحبة. آه من فراق الاحبة. لو قال لي الله، عندما أموت سوف أجد هناك أحبتي معي في عالم الموتى ،لسوف أقبل الموت بكل رحابة صدر، ما دام لن يعني فراق الاحبة عني!

يقينا أنتم تسخرون قائلين:

ـ شوف الملعون.. يريد ايموت ويأخذنا وياه..

حتى الآن لا استطيع تقبل فعلة أولئك المجانين الذين ينتحرون ويقتلون بنفس الوقت أحبتهم معهم. لكني مع ذلك أتفهمهم، لأنهم مجانين يمتلكون نفس لوثة حبي، باعتبار الحياة هي المحبة، والمحبة هي الحياة حتى لو كانت في عالم الموتى!

بعد أسبوعين، حسب قرار مسؤول الاطباء، بدأت أتبع علاجاً بالاشعة الخاصة من أجل القضاء على جذور الدمامل السرطانية الكامنة في وتري الصوتي. كل يومين، كنت أمّر على المشفى الخاص بالاشعة، تستقبلني ممرضتان شابتان، يجعلاني أستلقي على سرير في غرفة معتمة معزولة شعاعياً، ويضعان حول وجهي وصدري  قناعاً معدنياً يسمح بمرور الاشعة فقط حول عنقي، وبالذات عند النقطة التي يقع عندها ورم وتري الصوت. كم كنت أرغب بتصوير نفسي وأنا في تلك الوضعية. كان مشهد القناع المعدني حول وجهي مرعباً وحزيناً ذكَّرني بذلك الفلم الذي يصور معاناة شاب فرنسي يشبه تماماً توأمه وأخيه الملك الذي أجبره على العيش طيلة حياته متخفياً بقناع حديدي لكي لا يتمكن أن يتحايل عليه ويأخذ مكانه. أخبرتني الممرضة الطيبة بأن لا أتحرك أثناء تسليط الاشعة على نقطة السرطان في عنقي، لكي يتم علاج مرضي بصورة يقينية، وأيضاً لكي لا يحترق المكان السليم من عنقي.

كان وقت علاجي بالاشعة لا يستغرق أكثر من ربع ساعة، لكن التوتر النفسي والاجهاد الذي يصاحبه، من استلقاء وقناع وشعاع، يجعل المسألة وكأنها جولة حربية تقتضي كل فنون الدفاع والصبر والصمود.

كنت في وقت الانتظار قبل العلاج، أراقب الناس المنتظرين مثلي. البعض يعالج بالاشعة، والبعض بالسوائل الكيمياوية. غالبيتهم الساحقة كنَّ من النساء. فمرض السرطان، هو مرض العزلة والمعاناة الداخلية. نعم يقال ، أنه مرض انثوي، تعاني منه النساء أكثر من الرجال. كم كان يحزنني مشهد تلك الفتاة الجميلة التي أراها تأتي مع أمها وهي تحنو عليها وتعانقها بحرارة كما لو كانت تعانقني أنا. كنت أتعذب وأنا أرى تلك الفتاة الساحرة كيف تشحب وتهرم وتفقد شعرها يوماً بعد يوم مع استمرار العلاج. لم تكن تنتبه لي رغم كل ابتساماتي التضامنية ورغبتي الحميمة أن أواسيها. لكن أشد ما كان يحزنني الى حد البكاء أحياناً، مشهد تلك السيدة الجميلة المتكبرة التي رغم كل غرورها لم تنجح بأن تخفي عذابها وضعفها، وهي تأتي مصطحبة معها ابنها الحلو الصغير الذي ينتظرها جالساً جنبي حائراً خائفاً، بينما أمه في الكابينة تتلقى علاجها من سرطان الثدي. لم تكن هي التي تحزنني، قدرما كان مشهد الطفل الوحيد الحزين الخائف الذي ينتظر أمه.. آه، كم ذكَّرني بطفولتي.. لو تدرون كم صليت من أجل شفاء تلك الام. ليس من أجلها وحدها بل من أجل ابنها الذي كان أنا الطفل!    

*     *      *

استمر علاجي بالاشعة خلال شهري تموز وآب، كنت خلالها أبحث بكل جهدي من أجل العثورعلى علاجات الطب البديل (الطب الصيني والهندي والاعشاب والطاقة.. الخ). منذ سنوات طوال وأنا بطبعي أميل الى العلاجات البديلة، لكني لم أكن أشعر بالضرورة للتقيد بها. أما الآن وبعد أن أصبحت حالتي تتعلق مباشرة بالموت والحياة، صار العلاج البديل أمراً هاماً في تفكيري، بل قل هو الامر الاساسي، وخصوصاً بعد صدمتي بخيبتي الكبرى من الاطباء الرسميين الذين كنت واثقاً منهم تماماً، لكنهم أثبتوا بأنهم غير قادرين على التنبوء بحالتي وتنبيهي بالخطر الذي كان يحدق بصحتي منذ سنوات قبل ظهور المرض.

تذكرت ما كنت قد سمعته مراراً: أنَّ الطب الرسمي مفيد للعلاج المباشر للحالات الخطيرة، أما الطب البديل فهو مفيد للعلاج الوقائي الطويل المدى.

لهذا بدأت أبحث من حولي عن العلاج البديل، حتى وجدته. بعد أيام قليلة كنت في عيادة تلك السيدة المعالجة. كانت الفكرة الجوهرية في طريقة علاجها، تتحدد بالحوار مع بدن المريض من أجل أن يكشف هو نفسه عن مكامن علته. من مبادئ الطب البديل، الاعتقاد بأن عقل الانسان لا يكمن فقط في رأسه، بل في كل خلية من بدنه. وانه ليس هنالك فارق بين النفس والبدن، بل هما كٌلان متداخلان. ان النفس بالنسبة للبدن، مثل الهواء الذائب في الماء. وان جميع الاعضاء قادرة على أن تدرك علتها وطبيعة العلاج المفيد لها، وما على الانسان، الاّ أن يتحرر من هيمنة العقل، لكي يتواصل مع جميع مكونات كيانه وأعضاء بدنه، ويستمع الى شكواها ومطالبها، لكي يعرف أمراضها وطرق علاجها. وان أفضل الطرق وأسهلها لاتصال الانسان بمكونات كيانه، هي (التأمل والصلاة والاستبصار)، أي الانقطاع خلال وقت معين عن العالم الخارجي والعقل الدماغي، من خلال إغماض العين والاسترخاء وتركيز الذهن على الشهيق والزفير، مما يسهل الاتصال بالعقل الباطني والاستماع الى رسائله النصحية والانذارية التي يبعثها كصور وأصوات.   

بقيت خلال أشهر طويلة أشعر فيها كأني أسير على عمود موضوع بين جبلين، وأي ارتباك وتردد مني سوف أسقط لا محالة في الهاوية المهلكة. إن أكثر الامور التي جعلتني أتمسك بالحياة هو حبي لأبني ولزوجتي، ولباقي الأحباب.

لقد علمتني تلك السيدة المعالجة ان خلاصي الوحيد يكمن أولاً في حفاظي على أمل الشفاء وإرادة البقاء، وثانياً في الاصرار على تغيير نمط حياتي. فبقيت يومياً وفي كل ساعة أعَّود نفسي على التصالح مع حياتي ومع ماضيٌ، وممارسة الرياضات الروحية والبدنية، وتجنب الخمرة والحشيش والسكاير وحياة العبث والسهر والخصام مع المحيط ومع السياسة. خلال عام تقريباً شفيت تماماً، وبعد مرور كل هذه الاعوام يمكنني أن أقول الآن وبكل يقين ان المرض أصبح في خبر كان.

لقد عرفت ان هذا المرض الخطير الذي عانيت منه، كان مثل أية أزمة خطيرة، يحمل رسالتين، اولاهما آنية مباشرة تتعلق بالحاضر، وهي الدعوة لتغيير نمط الحياة. أتذكر اني خلال سنوات التسعينات وقبل مرضي، كنت أصارع نفسي التي كانت تطالبني بتغيير نمط  حياتي المتعبة لي ولعائلتي. لكن أطنان الاحزان المتراكمة في روحي وأخبار الوطن، كانت تدفعني الى الانتقام من نفسي بتعذيبها بحياة العبث والوجع والخصام مع الذات ومع المحيط. يقيناً لولا المرض الذي أجبرني على التغيير، لكنت بقيت على نمط  حياتي العابث المدمر حتى الجنون أو الانتحار.

أما الرسالة الثانية التي تجلبها أيَّة أزمة خطيرة، فأنها تتعلق بالماضي، وهذا ما فعله معي مرضي، لكني لم أنتبه إليها الاّ بعد فترة طويلة. أتذكر اني طيلة عمري، ومنذ طفولتي المبكرة، بقيت أعاني من (رعب الموت). لا أدري كيف اصبت بهذ الرعب وكيف تكون في نفسي.

(الموت) بالنسبة لي يعني (الفراق).. فراق الاحبة ومرابع الحياة. وأنا والفراق خصمان من الصعب التصالح بينهما. بقى رعب الموت هذا يصاحبني في كل مراحل حياتي. حتى اني في طفولتي كنت أرهب ساعة النوم خشية أن يستغل (عزرائيل) ملاك الموت نومي ويقبض روحي فلا أستيقظ أبداً. حتى في سنوات الشباب الاولى والكفاح السياسي، أتذكر اني أقنعت نفسي بضرورة الموت من أجل القضية، لكني مع هذا بقيت في أعماقي رافضاً للموت، وقد وافقت عليه مرغماً من أجل الكرامة والتحدي، لا أكثر.

لكن المعجزة حدثت هنا بعد تعرضي لهذا المرض الخطير. في البداية تصاعد في روحي رعب الموت الى أقصى الحدود، وأصبح شبحه يصاحبني في كل لحظة من يومي، بل حتى في نومي الذي صار مليئا بالكوابيس. لكن مع الزمن ومع استمراري بالتحسن كان هذا الرعب يتبدد مع تنامي الامل بالشفاء، حتى انتهى تماماً خلال سنتين تقريباً. كأن طاقة الرعب التي ظلت فعالة في روحي منذ طفولتي، قد استنفذت كلها خلال مرضي. نعم ان مرضي الخطير، كان مفيداً لي بصورة فعالة، لأنه أجبرني على تغيير نمط  حاضري، ثم خلصني من رعب ماضيٌ.

*    *    *

هذه هي حكايتي يا أصدقائي مع حضرة السرطان. يقيناً أنتم تستغربون عن سبب تعتيمي عليها كل هذه الاعوام، ولماذا كشفتها الآن؟ بالحقيقة إني أخفيت معاناتي عن كل معارفي، عدا زوجتي والمعالجين. حتى ابني الوحيد، لم أخبره بالحقيقة الاّ بعد أعوام!

منذ فترة فقط  تجرأت وكشفت الحقيقة لابني الذي بلغ تواً عمر السبعة عشر عاماً.

لا أدري كيف حصل الامر. كنا أنا وهو نتناول طعام الغداء، ونتحدث عن موضوع الامراض وخبايا النفس الانسانية، واذا بي فجأة أجد نفسي أكشف له السر:

ـ ااااممم.. بالحقيـ.... يعني.. أعتقد يا عيني.. أحب اقولك.. تتذكر مرض حنجرتي قبل سنوات.. كان بالحقيقة سرطان..!

المسكين، جفل وتوقف عن الاكل. جمَّده الخبر الذي لم يتوقعه. وأنا أيضا جفلت أكثر منه، لأني لم أتوقع أن أكشف هكذا بكل بساطة مثل هذه الحقيقة الخطيرة التي خبأتها عنه طيلة الاعوام الماضية!

ليست خطورة المرض وحدها التي صدمت ابني، خصوصاً انه كان قد تابع جيداً معاناتي في حينها. كم قلق وخاف عندما ظل صوتي لعدة أشهر مبحوحاً يكاد ينقطع، وأنا أنطق له بكلمات طمأنينة بالكاد تكون مسموعة:

ـ ما كو شي يا حبوبي.. بعد أيام وتنتهي البحة..

أما الآن ، فإن الذي أدهشه أكثر، اكتشافه بأني يمكن أقترف مثل هذه الاكذوبة الكبيرة. فنحن بيننا أشبه بالعهد غير المعلن، بأن نقول الحقيقة لبعضنا مهما كانت قاسية. لكن الذي خفف من وطأة الخطيئة تتمة جملتي الاخيرة:

ـ مثلما تعرف يا عيني، اكشف لك هذه الحقيقة، لأن المرض انتهى تماماً، وصار جزءاً من الماضي، وبأمكاني كشفه من دون قلق..  

ثم أضفت وهو مازال يبحلق بي بعيونه السود الوسيعة ووجهه الجميل الناطق بطيبة وبرائة ورثها عن امه:

ـ اعذرني يا حبوبي يا عيني.. طبعا ماما كانت تعرف.. لكني كنت مضطراً أن اخفي عنك هذه المسألة.. وأعترف لك بأني كنت ضعيفاً.. كنت افكر بأنك صغير وما تتحمل مثل هذه الامور.. اعذرني..

قمت وقبلته من خده، وتعانقنا ضاحكين...

لهذا يا أصدقائي، بعد أن أخبرت ابني بالحقيقة.. ما بقى عليَّ غير أن أخبركم أنتم..
 
 

<hrdata-mce-alt="الفصل العاشر : ولدي باسم.. شكراً لك لأنك هنا.." class="system-pagebreak" title="الفصل العاشر : ولدي باسم.. شكراً لك لأنك هنا.." />

 
 
الفصل العاشر
ولدي باسم.. شكراً لك لأنك هنا..


شكراً يا ولدي لأنك هنا معنا في هذه الدنيا. ها أنت قد بلغت في أول هذا العام عمر الثامنة عشر. فشكراً لك لأنك اخترتنا، أنا وأمك، لكي نكون أهلك.

منذ أعوام كنت أعتقد بأن فضل مجيئك الى هذا العالم يعود الى أمك، لأنها هي التي ألحت بأن ننجب طفلاً. لكني الآن حسب فكرة تناسخ الأرواح، أميل إلى الاعتقاد بأن الفضل الأول لمجيئك إلى هذه الدنيا، هو أنت. يقال ان الانسان هو المسؤول عن مصيره، يختار كل خطوة يقوم بها، منذ لحظة نزوله في رحم أمه حتى لحظة نزوله في رحم الأرض!

هل اخترتنا لأنك تعرفنا جيداً؟ لعلنا قد عشنا معاً، نحن الثلاثة، في حياة أوحيوات عديدة سابقة؟ يحلو لي أحياناً أن أتخيل بطرافة انك ربما تكون في الحقيقة، أبي الذي مات منذ أعوام طويلة. قد عدت لي لتكون ابني وتعوض عن حياة الظلم التي عشتها معك، ولنبني معاً حياة جديدة تسود فيها المحبة والسلام. لا أدري أقول ربما. في كل الاحوال، بالنسبة لي هذه الفكرة تثير الابتسام، لا أكثر..

لكن الشيء الذي أصبح يقيناً واضحاً في السنوات الاخيرة، انك تمثل في عقلي الباطني (أناي الطفل) الذي أتمنى أن يكون بالصورة الجميلة التي لم أنجح أن أكونها في طفولتي. أدرك الآن أني دون شعور مني، كنت ومازلت أسعى أن أجنبك كل ما عانيته في طفولتي، وأن أوفر لك الحنان والرعاية التي لم أنلها من أهلي.

اني أعجب من أولئك الآباء والامهات الذين يغارون من أطفالهم ويذوقونهم العذاب لينتقموا من طفولتهم المحرومة، كما كان يفعل معي أبي. كلما رأيتك يا ولدي سعيداً وقوياً وناجحاً، دون قصد مني، أحس بأن الطفل الصغير (سليم) الكامن في أعماقي، سعيد وقوي وناجح. حينها تسري فيَّ الراحة لأني هدأت من عذابات ذاتي الطفولية، إذ اسمع الضحك والغناء في أعماقي بدلاً من البكاء والغضب.

*      *      *

قبل أن تأتينا يا ولدي، كنت أنا أخاف أن أكون أباً، لأني كنت أخشى الحب والموت. نعم أخشى أن أقع بحب مولودي، ولداً كان أو بنتاً. أتعذب معه في هذه الدنيا مثلما تعذبت في طفولتي مع أبي، وبعدها، أما أن أموت وأتركه بلا أب، أو أن يموت هو ويتركني في جحيم الدنيا. وكنت لا أكف عن ترديد مقولة شاعرنا (المعري) التي كتبها على شاهدة قبره :

(( هذا ما جناه عليَّ أبي، وما جنيت أنا على أحد..))..

هكذا كنت أفكر وأنا أواجه مطلب أمك بأن ننجب طفلاً. لكني الآن وبعد هذه الاعوام الثمانية عشر من العيش معك، أعترف بأن حقيقة الامر عكس مخاوفي تماماً. بل يمكنني أن أقول بكل ثقة وتواضع، بأن مجيئك، كان ويظل عاملاً مهماً يمنحني القوة للبقاء في هذه الحياة.

اني أتأسف كثيراً لتلك الاعوام الطويلة التي بقيت خلالها متردداً صامداً بوجه أمك، وهي تلح عليَّ بأن ننجب طفلاً. لحسن الحظ  إني خضعت أخيراً للأمر الواقع. في نهاية أعوام الثمانيات خاطبتها بألم ومحبة:

ـ ((إسمعي عزيزتي ماركريت.. أنا أوافق على أن ننجب طفلاً، ولكنه سيكون لك ومن أجلك. انه هديتي لك، وأنت المسؤولة الاولى عن رعايته. أنا كما تعرفين أخشى الابوة والطفولة وغير مؤهل أبداً أن أقوم بدور الاب))..

لكن ثمة صوت خفي كان يقول لي بأن ادعائي هذا ما هو إلاّ حجة لاقناع الجانب المتردد من روحي، لأني في أعمق أعماقي كنت أنتظرك لتكون ولدي، حبي الاعظم، وفيك ستتجسد رموز محبتي لذاتي ولأهلي ولأناسي وللحياة بأكملها.

أتذكر في أوائل عام 1989 بعد أسابيع من ظهور علامات الحمل لدى أمك، ذهبنا سويةً الى المستشفى ليكشفوا لنا عن حالة الوليد وعن جنسه. شاهدتك على الشاشة مثل قط  غارق في ماء. سألونا إن كنا نرغب بمعرفة جنس الجنين. أمك قالت لا، لأنها أرادت أن تتعامل مع جنينها بصورة انسانية مجردة عن الذكورة والانوثة. أنا قلت نعم، لأني كنت تواقاً لمعرفة من تكون أنت، لكي أساعد خيالي القلق الذي ما كف عن خلق التصورات والمشاهد عن الطفل المرتقب. بعد أسبوع تقريباً، وصلت رسالة بأسمي، تخبرني بأنك (ذكر). الحقيقة اني فرحت لأني كنت بحاجة الى صديق مثلي يشاركني حكايات الرجال. لا أدري، ربما لو كنت أنت بنتاً، لكنت وجدت فيك أيضاً حاجة لفتاة تشاركني حكايات النساء والرجال.

الطريف، إننا، أنا وأمك، أمضينا الاشهر الطويلة، بلعبة قط  وفار كي أجنبها معرفة سر جنس الوليد الذي تحمله، وهي تحاول دون قصد أن تخمّنه عبر كلامي. أشياء كثيرة كانت كفيلة أن تفضح السر. مثلاً عند الحديث عن ثياب الطفل المرتقب، عن اسمه، عن مستقبله. اتفقنا أخيراً على إسمين: إن كان ولداً، سيكون (باسم ـ BASSIM)، وإن كانت بنتاً، ستكون (دليلة ـ DALILA). بعد ميلادك أخبرتني، إنها كانت تقريباً على يقين بأن الوليد سيكون ذكراً، لأنها لاحظت اهتمامي أكثر بأسم الولد.

*      *      *

اتذكر يا عزيزي يوم ولادتك. ذلك المساء من يوم الخميس 25 شباط 1990، كنت أسير على جسر(الجبل الأبيض) ونسيم بحيرة جنيف يلامسني فأحس بنشوة وخدر وأنا في طريقي الى مستشفى الولادة. كنت قد تركت والدتك منذ الليلة الفائتة تعاني الطلق. زرتها صباحاً لكنك لم تزل متردداً بالمجيء. اعتقدت بأنك هذا المساء ستظل معانداً متردداً. هكذا إذن مختالاً هادئاً بلغت المستشفى، واذا بالممرضة تركض نحوي قائلة:

ـ اسرع زوجتك تولد..

لا أدري كيف قادتني من يدي وأنا مبهوت بين الدهاليز حتى أدخلتني الى قاعة معتمة شاهدت فيها أمك محاطة بالممرضات وأحد الاطباء، والجميع مرتبكون يتراكضون يولولون مثل طائفة سحرة بدائية حول معجزة الهية. وقبل أن أفطن وأسيطر على ارتباكي وسط  خبصة النداءات والصراخ والعويل، أوقفوني بجانب السرير عند رأس أمك، وطلبوا مني أن أنحني عليها وأمسك كتفيها. كنت أغمض عيني تارة، وتارة أنظر الى وجهها وهي تتلوى وتبكي وأنا أحاول أن أتلفظ  بأية كلمات مشجعة، ولا أدري إن كانت تسمعني وسط  ذلك الصخب النسواني. بينما أنا في عز ارتباكي وخجلي وترددي إذا بأحدى الممرضات تضع شيئاً بين يدي وهي تقول:

ـ خذ هذا ابنك....

نعم هكذا ببساطة، وجدتك بين كفي!

لم أفهم ماذا يجري. كنت حائراً خجلاً وأنا أراك تتلوى بين يديَّ مثل عصفور مهْلوس مبلول.

ماذا يجب أن أفعل؟! خفت أن اؤذيك أو اسقطك من يدي. لا أتذكر إن كنت قد تجرأت حينها وقبلتك فعلاً. أتذكر اني ضحكت لكي أكبت حاجتي للبكاء. بارتباك وضعت شفتاي على رأسك، وبسرعة ناولتك الى الممرضة.

هكذا أتيتنا يا ولدي، ومعك أتت كل مشاعر الحب التي لم أتوقعها من قبل.

الطريف انك في أول الامر كنت بشكل آسيوي، شعرك أسود فاحم وعيونك سوداء ووجهك دائري ووجنتاك عريضة وكأنك صيني. ذكرتني بملامح أخوالي، لأن أشكالهم أيضاً آسيوية، وقد ورثت أنا عنهم بعضها. لكنك مع الاعوام بدأت تتخذ وجوه سكان البحر المتوسط، مزيجاً حلواً بين الملامح الاوربية والشرقية. حتى الآن عندما يسألنا البعض عن شكلك، هل تشبهني أم تشبه أمك، نجيبهم:

ـ في الصيف يشبه أباه، إذ يكون شرقياً حنطياً من الشمس، وفي الشتاء يشبه أمه، إذ يكون أبيضاً أوربياً من البرد.

نعم يا ولدي انك مزيج جميل مني ومن أمك، من العراق وسويسرا. ليس فقط بالشكل، بل حتى في الشخصية. فأنت أخذت مني حرارة وطرافة أهل الشرق، ومن أمك أخذت وقار وجدية أهل سويسرا. أنت رشيق طويل القامة مثلي، متوازن ورقيق مثل أمك.

*      *      *

رغم اتفاقي مع أمك بأنك هديتي لها ولن تخصني رعايتك، الاّ أني مع الايام رحت أنسى هذا وانقلبت الحالة، بحيث أصبحت أنت هدية أمك لي. يعني رحت (أبتلش) بك وأرعاك من كل قلبي وتصبح أنت جزءاً من كياني ووقتي وحياتي كلها. كنت أقاسم أمك نصف جهود رعايتك، أغّسلك واطعمك وارافقك بالترانيم والحكايات قبل نومك، وأصحوا ليلاً عند أول صوت شكوى وبكاء منك، وآخذك كل يوم الى (دار الطفولة) لتمضي بضعة ساعات مع باقي الاطفال.

الطريف اني من دون وعي، رحت أمزج صورتك مع صورة أخي الاصغر(قائد) الذي ولد وأنا في عمر الشباب ورعيته بكل حنان واهتمام لمدة أربعة أعوام حتى هجرت البلاد.  

كنت دائما أنسى واناديك (قائد)، لانك كنت مثل أخي، وقائد كان مثل ابني، والاثنان كنتما بالحقيقة (أنا) الطفل.

لم انس ذلك اليوم، عندما كان عمرك عشرة سنوات، وأنت تقول لي  بكل براءة:

ـ بابا ممكن تحكي لي حكاية من حياتك في العراق، غير حزينة..

فوجئت بكلامك هكذا. بل صدمت! أحسست بمزيج من الخجل والغضب، لأني دون أن أدرك كنت لا أذكر من حياتي غير أحزاني. ثم كيف حصل اني كنت الى هذه الدرجة من الأنانية بحيث اني كنت أسعى لتوريطك في أحزاني دون أي انتباه لبرائتك. لقد أحسست بالعار لأني أدركت كيف اني كنت بصورة غير واعية أريد أن أجعلك تشاركني، بل تعاني مثلما أنا عانيت في طفولتي.

لكن الصدمة الاقوى كانت حينما فشلت أن اجد حكاية طريفة واحدة من ماضيٌ. يالله، ليس من المعقول أن حياتي في بلادي كانت كلها أحزان. رحت أغصب نفسي لكي أجد لك ما يضحك، أو على الاقل لا يبكي. الغريب انه حتى حكاياتي التي من المفروض انها طريفة، كانت تنتهي رغماً عني بخاتمة حزينة. مثلاً عندما احدثك عن طرائف أبي في حانوته وحكاياته مع زبائنه، فأنا لم أستطع أن أخفي الجانب المأساوي من الحكاية، عن معاناتي مع أبي والشرطة والسجناء.

*      *      *

آه يا ولدي، لو تعرف كم انا مشتاق الى تلك الايام. يا ليتها تعود ولو لبضعة ساعات. أحملك بين يدي وأنت طفل بض البدن وأشمك بنكهتك الحليبية وأمَّسد رأسك الطري وشعرك الاسود الخفيف وأمضي بشفاهي على محياك، أنفك وعيونك ووجنتيك وفمك واذنيك وعنقك وكفيك. أرفعك عالياً فوق رأسي  وأغني لك بالعربي والفرنسي تلك  الاغاني التي مازالت ألحانها وكلماتها ترن في روحي ونحن في طريقنا صباحاً الى الروضة:

((مر قطار عبر بلادي.. عبر السهل.. عبر الوادي.. مر سريعاً، شك شك .. كان بديعاً، شك شك..)).. ((أرنب في المغارة.. أرنب كان نايم.. أرنب مسكين مشوش.. أرنب ما يقدر يمشي.. أرنب نط نط نط)).. ((ماما زمانها جاية جاية.. بعد شوية .. شوية..))..(( طق طق يا ام سليمان.. طق طق زوجك تعبان.. ))..

اتذكر المقالب الطريفة التي كنت أعملها معك، وكانت تثير أمك بعقليتها السويسرية التي تفترض التعامل مع الطفل بجدية وبرائة كاملتين. ذات مرة عندما كان عمرك عامين، وكنت مريضاً وقد منع عنك الطبيب بعض الأغذية ومنها البرتقال. ومن سوء الحظ  انك ذلك اليوم كنت لا ترغب الاّ بأكل برتقالة. حاولنا بكل جهدنا أنا وأمك أن نقنعك بأكل شيء آخر، لكنك عاندت ورحت تصر ببكاء وصراخ على البرتقالة. فما كان مني الاّ اصطنعت القبول، وقمت خفية بتهيئة برتقالة رفعت عنها قشرها ووضعتها حول تفاحة. وأتيتك قائلا:

ـ طيب حبوبي بسومي، هذه البرتقالة..

ورحت أمامك أزيل قشر البرتقالة عن التفاحة، وقسمتها الى قطع صغيرة وقدمتها لك. فأكلت أنت التفاحة على أنها برتقالة. وأنا أضحك عليك خفية وأمك تهمس محتجة:

ـ سليم.. أرجوك..لا تسخر منه.. أرجوك..

ثمة طريفة أخرى أكبر من هذه. كان عمرك أكثر من ثلاثة أعوام، عندما أهدتك خالتك (آلين) معطفاً جميلاً وجيداً يحميك من البرد. لكنك أنت لسبب مجهول رفضت لبسه. تقول انه (مو حلو). حاولنا كل جهدنا أنا وأمك نقنعك لكنّا فشلنا. أخيراً خطرت لي فكرة جهنمية لأقناعك. أتذكر اني أخذتك على جنب، وقلت لك هامساً وأنا أتلفت مصطنعاً الخوف من الآخرين:

ـ اسمع بسومي.. راح أكشف لك سر خطير لا تخبر به حتى ماما.. اعتمد عليك؟

فجاوبتني أنت هامساً:

ـ أكيد بابا.. إعتمد عليَّ..

ـ اسمع حبوبي.. هذا المعطف اللي أهدتك إياه خالتك، هو معطف خاص جداً.. يعني هو معطف أمريكي خاص بعصابات المافيا..

ـ كيف بابا؟

ـ هذا المعطف، يعني بالحقيقة هو ضد الرصاص.. إذا لبسته، أي واحد ما يقدر يغتالك.. حتى رصاص المدفع ما يخترقه..

ثم أخرجت من جيبي وأنا أتلفَّت، مسدساً من بلاستك:

ـ خذ هذا المسدس، خلي بجيبك، ولا تخلي أحد يشوفه..

ومن يومها وافقت أنت أن ترتدي المعطف.

طبعا حكيت أنا الطريفة لأمك، لكنها اصطنعت أمامك عدم معرفتها بسر المعطف الخطير!

وهنالك قفشات عديدة من هذا النوع كنت أعملها معك. نعم، أعتقد اني قد نجحت أن أجعلك طريفاً مثل أهل الشرق، ولكن أيضاً جدياً مثل السويسريين..

*      *      *

يقيناً يا ولدي، أنت قد تعلمت وأخذت مني الكثير، لأني لم أبخل أبداً عن منحك كل ما هو عزيز عليَّ، مالاً وجهداً ووقتاً وحساً وفكراً. لكني أيضاً تعلمت منك الكثير. أول وأكبر الامور التي تعلمتها منك، أن أكون متمسكاً بالحياة، أن أشعر بأن في هذه الدنيا ما يُحبٌ. ان الحياة سرمدية لاتنتهي، آباء يعقبهم أبناء، وأجيال تعقبها أجيال، حتى الأبد.

أمك صارت جذوري في هذه البلاد، وساعدت شجرة روحي لكي تنمو في  هذه الارض الغريبة التي جئتها شاباً، لكي تكون أنت أعز وأجمل ثمرة في حياتنا. بك صنعت دنياي طعمها وعبقها واصطبغت بألوان قوس قزحية. وبفضلك بدأت التصالح مع ماضٍ وطفولة متجذرة في  بدني وروحي.

تارة أرى فيك نفسي وتارة اخوتي وتارة اصدقائي، بل أحيانا أرى فيك أبي وأمي. أعتني بك كما كنت أتمنى أن يعتني بي أهلي. رغم لومي لك أحيانا، بل وتعنيفك، الاّ أني أبداً لم أجرح مشاعرك، ولم أتوانى لحظة عن احترامك وتشجيعك، والاعتزاز بك وبأصحابك.

ان سنوات تربيتي لك جعلتني أكتشف حقيقة مفهوم (الوسطية والاعتدال). خصوصاً أثناء السنوات الاولى، كنت اواجه أسئلة عديدة لا تخلو من الصعوبة. أمور قد تبدو ثانوية وحتى ساذجة، لكنها بالنسبة لتربية الطفل وحياته لها أهمية كبرى. مثلاً، كيف أجعلك تدرك خطورة السقوط من النافذة والشرفة، وبنفس الوقت أن تتعامل معها بصورة طبيعية بلا خوف مبالغ به. كيف تحذر الاشخاص الغرباء تجنباً لبعض الشاذين منهم، وبنفس الوقت ان لا تصير معقدا فاقدا للثقة بكل انسان غريب. كيف تعرف أن تدافع عن نفسك إزاء اعتداءات الاطفال الأقوياء، وبنفس الوقت أن تكون طيباً وحميمياً مع الجميع. وهكذا دواليك، كل أمور التربية والحياة، حيث الحل الوسط  يبقى هو المطلوب، رغم صعوبة العثور عليه في زحمة الاختيارات.  

*      *      *

وكانت مسألة (الانتماء الوطني) أهم هذه الاختيارات التي واجهتني معك:

ـ هل أنت عراقي أم سويسري؟

ـ هل أنت شرقي عربي مسلم، أم أنت غربي اوربي مسيحي؟

من خلال معايشتي للأجانب في سويسرا من مختلف الجنسيات، لاحظت ثمة موقفين متطرفين:

ـ اما الرفض التام لسويسرا، وتربية الابناء على نقد هذا المجتمع، والتركيز فقط على عيوبه. بنفس الوقت، رسم صورة مقدسة عن الوطن الاصلي وعن نقاء أهله وأفضليتهم على هؤلاء الذين نحن مجبرون على العيش بينهم!

ـ أما الانسلاخ التام عن الماضي الوطني واعتباره متخلفاً منحطاً، ومحاولة الانتماء القسري المنافق لهذا الواقع.

أدركت، أن كلا الحلين متطرفان وغير انسانيين، لان كل منهما قائم على احتقار وطن وشعب من أجل تقديس وطن وشعب. بينما المطلوب الحل الوسط، الذي يجعل الطفل ينتمي الى الحاضر الذي يعيش فيه، دون أن يضطر الى احتقار ماضي أهله. أن ينتمي الى الوطن الذي ينمو ويصاحب ويتعلم ويتغذى فيه، وبنفس الوقت ان لا يتنكر لوطن أمه وأبيه او أحدهما.

من حسن حظي، أو حظك أنت يا باسم، إن أمك من هذه البلاد. والاكثر من هذا إن لها اعتزازاً خاصاً بالعالم العربي، لانها درست الثقافة العربية حتى انها أصبحت استاذة متخصصة بها. وهي التي ظلت تلح عليَّ أن أجعلك تتعلم العربية. أتذكر أنها هي التي أخذت على عاتقها أن تحكي لك كل مساء قبل النوم قصص أنبياء الكتاب المقدس وحكايات الاسلام. وهي التي اقترحت أن نقوم بختانك، وأنت لم تزل بعمر بضعة أشهر. رغم انها لم تستطع أن تكبت مشاعرها  فذرفت دموع الالم عندما أخذتك الممرضة الى صالة العمليات في مستشفى جنيف.  

صحيح اني أنا شخصياً، لم أستطع تماماً أن أنتمى لهذه البلاد، وبقيت غريباً، حالي حال غالبية الاجانب من الجيل الاول، حيث نعاني من الغربة عن وطننا الاصلي بنفس الوقت نعاني من صعوبة  الانتماء الى الوطن الجديد. الاّ أنني رفضت أن أجعلك تعيش معاناة غربتي وتمزق هويتي، بأية حجة دينية أو سياسية. بل على العكس، بذلت كل جهدي لكي أجعلك تنتمي الى وطن وشعب يمنحك الشعور بالأمان والتجذر في الزمان والمكان. ليس دافعي هو حبي لسويسرا واعترافا بحقها عليك، بل حبي لك ورغبتي بمنحك التوازن والاستقرار وتجنبيك لمعاناة التمزق والاجنبية التي عانيتها أنا منذ طفولتي وحتى الآن.

لهذا يا ولدي، منذ وقت مبكر، علمتك أن تنتمي الى سويسرا، الى وطن ميلادك وعيشك ومدرستك وأصحابك، الى وطن الارض التي تعيش عليها والهواء الذي تستنشقه والمياه التي تسبح بها والشمس التي تتدفأ بشعاعها.

إني على يقين، حتى لو لم تكن أمك سويسرية، حتى لوكانت أيضاً مثلي عراقية، لكنت أيضاً عملت على أن أجعلك تنتمي لهذه البلاد التي نشأت وكبرت فيها. صدقني اني اشعر بالفرح الصادق ونشوة الرضا، عندما أراك تزهوا بانتمائك لهذا الوطن، وأن تناصر فريقه الرياضي وأن تغار عليه وتتمنى بصدق سلامته وكرامته.  

لكني بنفس الوقت، حاولت أن أجعلك تتذكر دائما انك تمتلك ميزة اضافية، لان لك من خلال أبيك، وطناً وثقافة وديناً آخر. أن أجعلك تتعلم شيئاً من العربية باللهجة العراقية. آملاً أن يمنحك هذا حساً بالتنوع والغنى وليس بالصراع والتناقض. للأسف وكما تعرف ان أوضاع العراق منعتني أن اجعلك تزوره وتتعرف على أهلي وأخوتي وأقاربك من أبناء وبنات العمومة. ان هذا الأمر يحز في قلبي، لأنه يحرمك من علاقات انسانية حميمة. لكني أجد تعويضاً في علاقتك الحميمة مع أقاربك من طرف أمك، وخصوصاً خالتك الطيبة (آلين) وزوجها الانساني (ميشيل) وبناتهم الرائعات (بولين وسفرين وأميلي). منذ أن كان عمرك بضعة أشهر، كانوا يأخذونك الى بيتهم ويعتنون بك مثل ولدهم.  

*         *          *

ذكريات وصور كثيرة يا ولدي لا تعَّد تزدحم في روحي كلما فكرت بك ولفظت اسمك.

اني آسف لأني لم أكن دائماً مرتاحاً في حياتي لكي أمنحك ما تستحقه من الراحة والمحبة.  خصوصاً في أعوام التسعينات، السنوات الاولى من عمرك، جعلتك تعاني معي لأني كنت اتعذب بصورة وحشية، بسبب تاريخي الشخصي وغربتي ونكسات بلادي وخراب نفوس شعبي، مما جعلني أحرق نفسي بالخمرة والحشيشة وأصدقاء السوء، حتى بلغت ذروة الدمار الذاتي أوائل عام2001   بإصابتي بسرطان الحنجرة. لكن لحسن الحظ كان هناك حبي العظيم لك وتضامن أمك معي، مما خفف من التأثير السلبي لهذه الحالة عليك. رغم انك لا بد كنت تتلقى بصورة مباشرة وغير مباشرة تلك الطاقة السلبية الجهنيمة المشتعلة في روحي، وتجعلني أصرخ وأشكو وأبكي بحرقة لا ترحم.

اني آسف لأني لم أتمكن من منحك أخاً أو أختاً يشاركونك حياتك. في السنوات الاولى بعد ميلادك، بقينا أنا وأمك مترددين بقرار انجاب طفل آخر. ولكنا بعد أعوام حينما حسمنا أمرنا بالموافقة، كان الوقت متأخراً وفشلنا بأنجاب طفل. أحياناً أقول ربما الأمر لم يكن صدفة أو تقصيراً، فحسب المعتقدات الروحانية، اننا مسؤولان عن اختيار حياتنا. لعل ثمة حاجة مصيرية عميقة لدينا نحن الثلاثة، لكي تكون أنت لنا إبناً وحيداً، لأنك ما جئت الى الحياة الاّ لتعيشها كما هي .

في كل الاحوال، اني سعيد، لأني نجحت أن أعوضك عن وحدانيتك، بتشجيعك على أن تكون اجتماعياً ومحبوباً بروحك الاخوية التضامنية مع الآخرين. وها أنا أراك منذ أعوام، محاطاً بمجموعة جميلة من الاصحاب الطيبين مثلك، قد يفوقون حتى الاخوة بمشاعرهم نحوك.

لو تعرف كما أحّس بالسعادة، عندما نجلس معاً نتحاور في أمور الحياة مثل أصدقاء حميمين. تبوح بما ترغب مما يشغلك، عن الدراسة والاصحاب والاحلام. تسمعني آخر ما أنجزته من أغاني الراب. يبدو انك ورثت منا، أنا وأمك، حب الموسيقى والكلمة. وها أنت تكتب النصوص وتغنيها بصوتك الحنون الغاضب وموسيقاك الالكترونية العجيبة. وعندما أسألك عن المستقبل، تقول انك لا تعرف، فأنت مازلت متردداً بين الفن والادب، والامثل لك أن تجمع بينهما.   

آه لو تعرف كم انا راضٍ عن نفسي وممتناً لأمك لأننا نجحنا بأن ننجبك ونربيك ونجعلك هكذا انساناً ناضجاً جميلاً طيباً ذكياً.

فشكراً لك يا ولدي لأنك هنا.. وشكراً لك لأنك اخترتنا بأن نكون أهلك..
 

<hrdata-mce-alt="الفصل الحادي عشر : درب المحبة الذي لاينتهي..." class="system-pagebreak" title="الفصل الحادي عشر : درب المحبة الذي لاينتهي..." />

 
 
الفصل الحادي عشر
درب المحبة الذي لاينتهي...




الآن، كما اظن يا أصدقائي، يحق لكم أن تسألوني: ماذا تعلمت من حياتي هذه.. هل ثمة درس توصلت اليه؟

الحقيقة ان هذا السؤال، أنا الذي طالما أطرحه على نفسي. الجواب الاول الذي يحضرني، يمكن أن أختصره بكلمة واحدة:

((المحبة))!

نعم ان مفهوم المحبة صار بالنسبة لي، المنظار الذي عبره اشاهد الدنيا، بل الوجود بأكمله المادي والمعنوي. ولم أبلغ هذه المحبة الاّ بعد أن اقتنعت بأن سر عذاباتي كلها، وعذابات كل البشر، هو(الحقد) ضد الذات والناس والحياة.

الطريف اني في الشرق في سن الشباب الاول، تعلمت أن أكون مادياً علمياً ملحداً رافضاً وساخراً من كل ما هو روحاني وغير مادي محسوس. لكني هنا في اوربا وسويسرا المادية العلمية، بدأت اكتشف الروحانية، حتى اني في الاعوام الاخيرة تخليت تماماً عن قناعاتي الالحادية، ودخلت في عالم الروحانيات من دون اعتناق مذهب معين، بل بصورة انسانية كونية ومتفتحة على جميع المذاهب والاديان. وجوهر روحانيتي هي(المحبة).. محبة الذات والانسان وعموم الحياة..

التجارب القاسية ومخاوف الموت بقيت تغذي نيران فضولي بحثاً عن أجوبة تمنحني الطمأنينة والاتزان. كم هي همجية لا ترحم تلك الكآبة التي لم تكف عن إجتياحي كجيش غزاة يدمر قلاع الثقة والأمل في روحي. أشعر حينها بأني منكسر والحزن يفيض في أنحائي. حيرة تربكني وأوهام سوداوية تعصف في عقلي. متردد بين نرجسية وعار، صمت وصراخ، هجوم وانكسار، إنطواء وإنتثار. أنين طفولتي يصدح في أحشائي، ووقار رجولتي يكبلني. مهما تجاوزت رعب الموت، فإن رعب الحياة يتملكني. أنا محب ناقم، صديق غاضب، اريد ولا اريد. أعشق الحياة في كل لحظة ولحظة، لكنها ماء يتبدد بين كفيّ وريح تزيد من لهيب هيجاني. فأصرخ بكل حرقتي: يا رب ساعدني. يا اله الاكوان يا روح الارواح ويا سيد الاسياد، يا خالقي ومخلدي في تلافيف أنوارك، اقشع عني غيوم حيرتي وخبلي. بدد شكوكي واخبرني عن حالي. من أنا وماذا اريد، وكيف أمضي في دروب الحياة؟!

وكانت(المحبة)!

تجربة المرض الخطير جعلتني أكتشف انه كان تعبيراً عن ذروة حرقة نيران حقدي ضد ذاتي، روحي وبدني، ماضيّ وحاضري. لقد أمضيت حياتي منذ الطفولة في (مشاعر تأثيم وضغينة) ضد كياني. بل أنا مثل كل المعذبين على الارض، نمضي حياتنا متحالفين مع العذاب، لأننا في أعماقنا نشعر بالاثم لو كسبنا ونجحنا. نخاف من السعادة. لا ترتاح ضمائرنا ونوفي الدين الذي غرسته ظروف الطفولة في أعماقنا الاّ في المتاعب والكفاح.

ان مشاعر الاثم التي زرعتها تربية أهلي فيَّ كانت نقيض المحبة. مشاعر الاثم، في جوهرها هي (كره الذات) وإدانتها باعتبارها خاطئة آثمة بحق الآخرين. حتى الآن تصدح جارحة في روحي مثل شظايا زجاج، شكاوى أمي وشتائم أبي. منذ لحظات تكوني حتى هجري لبلادي ظلت تلاحقني تلك الكلمات التي لا تكف عن أشعاري بالعار من نفسي ومن أهلي وأبناء جلدتي، باعتبارنا فائضين عن الوجود لأننا فقراء متخلفون. هكذا بقيت تتغذي فيَّ مشاعر ضغينة وغضب ضد ذاتي وحياتي .

أمضيت أعوام التسعينات جميعها، في متاهات التدمير الذاتي. مسكينة حنجرتي، كم تحملت من حرقة غضبي المكتوم ضد ذاتي والحياة جمعاء. حتى بلغت العذابات ذروتها حين بدأ ذلك المرض الخطير يجتاح كياني ويتركز في حنجرتي.

حينها فقط، أدركت الحقيقة التي أمضيت السنين الطوال وأنا أهرب منها:

ـ أما أن أواجه حقدي ضد الظلم المزروع فيَّ منذ طفولتي، وأتقبَّله وأدجّنه مثل حيوان متوحش.. أو أن أتركه هكذا يجول ويصول في دواخلي حيث تمَّكن من القبض بمخالبه على حنجرتي بهيئة مرض لا يرحم. وهذا يعني لا محالة موتي المحتم..

لم يكن أمامي إلاّ أن استعين بتلك الطاقة الجبارة التي كنت أستصغرها بسبب إختباصي بحقدي: (طاقة المحبة). كما أستعين بالمياه لأطفاء النيران، قررت أن أستعين بالمحبة لاطفاء الحقد. وإن نجحت أن أطفأ نيران الحقد، يقيناً حينها ستنطفئ معها نيران المرض المتأججة في كل بدني ومتمركزة في حنجرتي.

بالحقيقة اني قبل ذلك بسنوات كنت قد بدأت أؤمن بفكرة المحبة، ولكني مع ذلك بقيت أعاني الصعوبة للتقدم في تطبيقها. كيف يا الهي أخمد براكين الغضب المتفجرة في روحي، وأسير في درب المحبة؟!

ولم اكتشف  الخلل في محبتي، الاّ أثناء أزمة المرض. عرفت أن مشكلتي تكمن في أني كنت أفكر فقط بمحبة الآخرين. أما أنا نفسي، ذاتي، كياني، فكنت أتركها ضحية لحقدي. كنت أعتقد إن توجيه نيران حقدي ضد ذاتي هو السبيل الوحيد لتجنيب أحبائي هذه النيران.

أدركت ان هذا كان نصف حل، وها أنا أواجه نتائجه المميتة.   

إن الحل الحقيقي، يكمن بمواجهة الحقد كله، بطاقة المحبة كلها، وخصوصاً محبتي لذاتي ومحبتي للحياة بأكلمها. المحبة تعني اني أريد الخير والجمال لمن أحب. وأول من يستحق المحبة هي نفسي، لأنها الأقرب اليَّ، وإن لم أبدأ بذاتي ودواخلي، كيف يمكن أن أبلغ خوارجي؟

نعم، كنت أتصور إنَّ جل كفاحي يجب أن يتوجه ضد ظلم الاقوياء، ولم أكن أتخيل أبداً، إن أول الظالمين كنت أنا، أنا ظالم نفسي وقامعها الذي لا يكف عن تأثيمها والاستخفاف بها.

من دون محبتي لذاتي كيف يمكنني أن أحب الحياة ومعها أحبتي وناسي. ان التضحية بالذات، لا بد أن تنتهي بالتضحية بالحياة ومعها ناسنا وأحبتنا. فما معنى محبتي لأهلي وناسي، إن كنت سأفقد حياتي. إنَّ محبتي لناسي تقتضي محبتي لذاتي، كما إن محبتي لذاتي هي مدخل محبتي للناس وللحياة.

قادني هذا الى حقيقة خفية كانت من شدة الوضوح اني لم أنتبه اليها: إن حقدي كان موجهاً ضد ذاتي، ليس فقط بدافع أخلاقي محبة بأحبائي، بل لأني في أعماقي، كنت أعتقد بأني مجرم آثم، وأن كل قمع أبي لي، كان بسببي أنا.. أنا الجلاد، أنا حمّال الخطيئة الاولى ومسبب عذابات أبي، وإني كنت أستحق عقابه وأكثر.. نعم، إن خطيئة أبي الكبرى ضدي، لم تكن فقط تعذيبه لي، بل لأنه نجح بصورة باهرة أن يقنعني، وأنا الطفل الطيب البريء، بأنه يتعذب بسببي أنا، بسببنا نحن أبنائه..

اذن بالتدريج، وقبل أن أغفر لأبي، بدأت أغفر لنفسي واقنعها بأني أبداً لم أكن آثماً ضده. هكذا مع الايام تمكنت من التصالح مع ذاتي، ثم التصالح مع أبي، ثم مع الحياة جمعاء. حينها فقط، بدأ يسري في كياني نوع من الشعور بالسلام، كأني لأول مرة في حياتي أشرع بتوقيع أولى معاهدات الهدنة لوقف حروبي ضد ذاتي وضد الكون بأجمعه.

ان تخلصي من مرضي كان يعني تخلصي من الجزء الاكبر من نيران حقدي ضد ذاتي. عندها بدأت أسير بصورة حقة في درب المحبة الذي لا ينتهي، لأنه درب الخليقة الأبدي.



*        *         *



لقد علمتني تجربتي، إن المرض وحتى الموت لا يأتيني من خارجي، بل من داخلي. الانسان منذ لحظة تكونه تعتمل فيه طاقتان، واحدة لـ (المحبة والحياة)، وواحدة لـ (الحقد والموت). طاقة المحبة هي التي تبني جسمي وتجدد خلاياي وتمنحني مشاعر إيجابية من فرح وشغف بالمعرفة والحركة والتمسك بالحياة حتى آخر رمق. أما طاقة الحقد، فهي التي تميت خلاياي وتمرضني وتشعرني بحزن وخوف وغضب، حتى بلوغ اليأس والهرم واللجوء الى الموت تعباً من الحياة. لو افترضنا على سبيل الخيال، اني تمكنت من العيش في كل لحظاتي بمشاعر فرح ومحبة وأمل، فاني بكل يقين لن أمرض ولن أعاني من أية حوادث سوء، ولن أهرم ولن يقترب الموت مني أبداً، وسأستمر خالداً أبد الدهر.

منذ لحظات وجودي الاولى، ثمة صراع عنيف محتدم في دواخلي بين هاتين الطاقتين، مثل جيشين همجيين محتدمين في حرب ضروس بلا راحة أو هدنة.

تفهمت نفسي بصورة أوضح حينما اطلعت على هذه الصورة المستوحات من الروحانيات الآسيوية: (إن الانسان أشبه بعربة يقودها جواد مع سائق وراكب)!  الجواد هو بدن الانسان وغرائزه. أما السائق فهو عقله الواعي الظاهر الذي يبدو انه القائد والموجه. لكن القائد الحقيقي هو الراكب المختفي في الداخل، لأنه مالك العربة وموجه السائق. هذا الراكب الخفي يمثل العقل الباطن الكامن في الاعماق، والذي يتشكل مما يرثه الانسان من حيواته السابقة ومن طفولة حياته الحالية.  

تعودت في الاعوام الاخيرة، وخصوصاً قبل النوم، كذلك في حالات الحيرة والكآبة والغضب، أن أغمض عيني، حتى لو كنت جالساً في قطار أو باص، وأنظر الى أعماق عربتي المظلمة لتلَّمس طريقي نحو ذلك الراكب الخفي الجالس في أعماقي، إنه ( طفلي سليم) الكامن في باطني. أتحاور معه لمعرفة أسباب الحيرة والحزن والغضب التي يبثها في روحي. أعرف جيداً إن كل مشاعري السلبية هي نتيجة تنكري لطفلي الباطني وغضبي عليه. يكفي أن أعتذر اليه وأقول له: (أنا أحبك وأتفهمك يا عزيزي سليم.. يا طفلي الحبيب.. يا أناي الوفية..) حتى أحس بالراحة وتوهج طاقة الحياة وتبدد مشاعر الحيرة والحزن والغضب.

*        *         *



من أكبر المصاعب التي بقيت تواجهني في تطبيق مفهوم المحبة هو(الغفران والتسامح). كيف يمكنني يا الهي أن أسامح إنسانا ظلمني وآذاني؟

بدأت بالتدريج أكتشفت كم أسيء فهم مقولات (السيد المسيح) الشهيرة عن(أحبب عدوك.. وأدر له خدك الأيسر)، على أنها تعني الخنوع للظلم!

أتذكر اني أمضيت السنوات الطويلة هنا في سويسرا، أعاني بصورة يومية تقريباً من اعتداء الكلاب عليَّ. هكذا بصورة غير مبررة، وأنا أسير في أزقة المدن ودروب الحدائق والارياف، ما أن يراني كلب مع صاحبه، مهما كان وديعاً، يتحول فجأة الى ذئب وحشي يكَّشر عن أنيابه نابحاً مزمجراً يريد أن ينهشني. بل حتى الكلاب الصغيرة التي يمكن ان أجعصها بأصبعي، تنبح ضدي مثل فيران مبحوحة. وأنا لا أكف عن الغضب والثورة وشتم الكلاب ومخاصمة أصحابها.

حتى بدأت أدرك مع الزمن، هذه الحقيقة الغائبة: (إني أنا المسؤول عن إثارة الكلاب).. كيف؟!

بسبب ميراثي الاسود مع كلاب بغداد، حيث عشت سنوات طفولتي أصارع بصورة يومية الكلاب السائبة في حارتنا. أتذكر إني كنت أستيقظ عند الفجر وأسبق أبي لكي أفتتح الحانوت. كنت أشق دروب (منطقة السعدون) وأنا وحيد أخوض حرب شوارع ضد عشرات الكلاب السائبة، التي تتحول الى نمور مفترسة أول الربيع فترة الاخصاب. كانت حضرتها تنزعج من مروري في الشارع أثناء عربداتها الجنسية الجماعية، فتهاجمني وكأني أريد أن أختطف منها حسناواتها. وذات يوم نهش كلب لحمة من فخذي وأنا على الدراجة.

كل هذه الذكريات المرعبة كانت تحضرني كلما شاهدت كلباً. فتثور في روحي المشاعر السلبية من مخاوف وأحقاد وغضب وتتلوث روحي بها، فيستلمها الكلب ويشعر بها، ومن دون تفكير يقوم برد فعله مثل المرآة، إذ يعكس ضدي ما تلقفه مني أنا من مخاوف وأحقاد وغضب، فيهاجمني بالصورة التي كنت أتوقعها في ذهني!

العجيب، إني منذ أعوام عديدة، لم أتعرض ولا مرة واحدة لمهاجمة كلب. رغم ان حياتي لم تتغير، لا زلت يومياً تقريباً ألتقي بالكلاب في الحارة وفي الحدائق وفي الريف. نلتقى بعضنا بصورة طبيعية وكأننا من جنس واحد، أو حتى من عائلة واحدة. بل حصلت أحياناً أمور طريفة، إن بعض الكلاب وحتى الضخمة الشرسة، تتفظل حضرتها وتتقرب مني وتتمسح بي وكأني صديقها منذ الطفولة.  والسبب كما تتوقعون، ليست الكلاب هي التي تغيرت، بل أنا. فبعد أن أدركت حقيقة ان كل الذي كان يحصل لي هو انعكاس لمشاعري أنا، رحت أتفاهم مع نفسي، مع طفلي المسكين القابع في أعماقي، حتى أقنعته بأن يتخلص من مشاعره السلبية نحو(اخوتي الكلاب)، ويحل محلها مشاعر إيجابية من الأمان والعطف و(التضامن الحيواني)!

يبدو ان البشر مثل المرآة، أحدهما يعكس للآخر ما يستلمه منه. فحسب المشاعر التي تنبعث من روحي، ايجابية أو سلبية، يعكسها الآخرون نحوي. نحن محاطون بهالة نورانية نابعة من أعماقنا. هي التي تحمينا وتنتقل عبرها اتصالاتنا مع المحيط، بشر وحيوان وحتى نبات وأشياء ـ تبادل الخواطرـ .

مع الزمن والتجارب اقتنعت بأن أي شخص مهما كان جباراً وهمجياً، لا يمكنه أن يعتدي عليَّ ويؤذيني ما لم أكن أنا نفسي متواطئاً معه بصورة غير واعية، من خلال المشاعر السلبية التي أحملها في روحي والتي تشعرني بالاثم وتضعف من حماية هالتي لي وتجذب أذى الآخرين.

وكما تقول الحكاية الهندية، إنَّ الانسان الحكيم الذي تسقط حاجة على رأسه أثناء سيره جنب منزل، لا يرفع رأسه ليعاتب الناس، بل يغمض عينيه وينظر في أعماقه ليسأل نفسه عن السبب الذي دفعه ليمر من هنا ليتعرض لمثل هذا الأذى..

هذا الادراك لمسؤوليتي عن عذابي ومتاعبي، جعلني أقتنع أكثر بمسؤوليتي عن مباهجي ونجاحاتي. والنتيجة الاهم، ان هذه القناعة ساعدتني كثيراً لكي (أغفر وأسامح) الذي يؤذيني، أو على الأقل أن أتجاوز وأنسى ذلك الظالم، ولا أمضي وقتي بتعذيب نفسي بكيفية الانتقام منه. لأني أدرك إن المسؤول الحقيقي عن عذابي، هو أنا، كما إن المسؤول عن خلاصي، أيضا أنا.

هذا لا يعني أبداً، إنسانياً وقانونياً، إني أطالب ببرائة الظالمين والمجرمين. فلا يبرر لأي أحد أبداً اقترافه لخطيئة ضد انسان، لمجرد إن الضحية راغب في أعماقه بالتعرض للأذى. ان للخاطئ مسؤوليته عن خطيئته ويستحق العقاب والدرس. مثلما الضحية مسؤول عن تواطئه ويستحق التفهم والتوعية.

ان فكرة مسؤولية ذاتي أنا عن كل الذي يحصل لي من خير أو شر، جعلني أشعر أكثر وأكثر بـ (أهميتي) أنا في الحياة، أوعلى الاقل أهميتي في حياتي أنا، واني لست بكائن ثانوي مجهول ضائع تماماً في تقلبات الظروف وخضم الصدف ونزوات الجبابرة المتحكمين بالمال والسلطة. بل أنا وحدي مع نفسي، المسؤول عن كل ما يحصل لي من خير وشر.

حينها فقط بدأت أتفهم دعوات (السيد المسيح) عن التسامح والغفران. إن محبتي  لظالمي ليست لصالحه هو، بل لصالحي أنا. لأن حقدي وغضبي يحرقاني أنا قبل أن يحرقا خصمي. بالمحبة والتسامح أحمي نفسي من حقد الآخر وأذاه، وأجعل طاقة شره تعود عليه، فإن لم ينتبه ويتخلص من شره، فإنه لا محال سوف يحترق بنيرانه فتأتيه الامراض والمشاكل من كل ناحية.

ان المحبة لا تعني بالنسبة لي قبول الظلم والخنوع للظالم. انها لم تمنعني أبداً من قول الحقيقة وإدانة الفساد والمطالبة بالكفاح ضده. أحتذي بنموذج (غاندي) وعقيدته السلمية. إن "سلاح" المحبة والتضامن أقوى تأثيراً من سلاح الحقد والضغينة والتضحية بالنفس. المحبة ليست مشاعرا فقط، بل هي فعل أيضاً. إنها تعني السلم والحوار والتسامح ورفض العنف. المحبة الصادقة، تمنح الشجاعة لقول الحقيقة ومواجهة الجبروت، لأنها تمنح الثقة بالنفس وبالحياة وبالله.

إن إيماني بالمحبة، بعد أن علَّمني الغفران، وعلَّمني السلام، علَّمني أيضاً (تقديس النفس). أصبحت مقتنعاً بخطأ تلك الفكرة القائلة بأن (الشهداء) يضحون بحياتهم لأنهم يحبون قضيتهم وشعبهم. ان التضحية بالنفس إستهانة بها، ومن يستهن بنفسه كيف يمكنه أن يحب نفوس الآخرين؟ إن جوهر المحبة هو تقديس النفس الانسانية، وإن لم أقدس نفسي أنا، كيف لي أن أقدس نفوس شعبي.

*        *        *



مع (المحبة) بدأت أشعر بأني فعلاً قد شرعت بحياة جديدة. صدقوني، أحس وكأن حياتي الماضية، قد عشتها في حياة سالفة، أو أني قد شاهدتها في فلم عتيق.

مع الزمن راحت المحبة مثل أنوار تتسرب عبر مسامات كوني لتنير جوانب تفكيري ورؤاي، مشاعرياً وثقافياً. أتذكر إن ألذي جعلني أتردد في انجاب طفل، هو خوفي الدائم من وقوع أذى للطفل. ولكني مع الاعوام تعلمت بأن الاذى يأتي من نقص المحبة. ان الطفل المحبوب يكون دائماً محمياً بنور المحبة.  

نعم لقد تعلمت بأني عندما أرغب بأن أبعد الشر عن أي إنسان عزيز عليَّ، أحاول أن أدفعه الى الايمان بمحبة الذات والحياة، كذلك أبعث له طاقة محبتي الصادقة من أعماق قلبي، لأن المحبة وحدها كفيلة بإبعاد الشر مهما كان مصدره.

حتى (قلق الموت) الذي سيطر عليَّ منذ الطفولة، تمكنت من التخلص منه بواسطة المحبة. لقد أمضيت حياتي مثل شخص يسير في غابة يشعر فيها وكأن وحش الموت يتربص له وراء كل شجرة. فجائتني المحبة لتحميني من غدر الموت. أعرف الآن اني لن أموت الاّ بعد أن أتعب تماماً من الدنيا ومن انهاكات العمر وأعلن استقالتي من الحياة.  لعل كل أنواع الموت، هي نوع من الانتحار!

حيرتي أمام عبثية الوجود ومعنى الميلاد والموت، راحت تهدأ مع فكرة (تناسخ الارواح) وتكرار عودتي الى الحياة، بغرض النمو والارتقاء حتى بلوغ السمو الالهي المطلق. اذا كان لكل حياة جديدة يعيشها الانسان امتحانات يتوجب النجاح بها وغايات محددة عليه بلوغها، يقيناً ان امتحاني في حياتي الحالية هدفه تخلصي من (مشاعر الاثم والضغينة)، حتى بلوغ (المحبة المطلقة)!

لقد دخلت المحبة حتى في مواقفي الفكرية والسياسية. لقد أمضيت سنوات الثمانيات والتسعينات أجهد نفسي لمعرفة السبب الذي جعل شعبي بهذه المعاناة والكوارث المتتالية. هل من المعقول أنَّ كل هذا يحدث بسبب إرادة السلطة الدكتاتورية والدسائس الخارجية؟ لكني مع الايام رحت أنتبه الى سلوكيات أبناء بلادي في الداخل وفي الخارج. كنت أشاهد بألم كيف نحن المشردون الذين نعاني الغربة ومطاردة دولتنا لنا وتدميرها لبلادنا، نمارس في نفس الوقت ضد بعضنا البعض سلوكيات الغيرة والنقمة والخصومات والتشويهات التي تتجاوز في أذاها ممارسات النظام الدكتاتوري نفسه. بدأت أدرك إن الجماعات مهما كانت ضعيفة لا يمكن أبداً أن تكون ضحية بريئة ومرغمة. ان الجلاد مهما كان جباراً فإنه لن يتمكن أبداً أن يستمر بفرض هيمنته من دون تواطئ الضحية. ان خيانة الضحية وعدم تضامنها مع كينونتها، هو الذي يجعلها مهيأة للخضوع السهل للقوة الغاصبة، داخلية أو اجنبية. ان الجماعات المقموعة تمارس القمع فيما بينها أولاً، لكي يأتيها من يمارس القمع الشامل ضدها.

لهذا فإني في الاعوام الاخيرة تعودت في كل بحوثي وتحليلاتي، بعد ادانتي للجلاد، سواء كان مسؤولاً فاسداً أو ارهابيا أو جيشاً مستعمراً، أفضح كذلك تواطؤ الشعب نفسه وفساد النخب الوطنية فكرياً وضميرياً. ان الشعب الذي لا يتضامن مع نفسه، لن يتضامن أحد معه.



*        *         *



ان طاقة المحبة موجودة في كياني ما دمت حياً. هي غصن متفرع من شجرة الله. أليس كل انسان هو اله بالنسبة لذاته، لأن الله هو الذي خوله ومنحه القدرة على ذلك. ان صلواتنا للإله هي بنفس الوقت صلوات لتلك القوة الالهية الكامنة فينا. مهما كانت الحالة النفسية والصحية ميؤوساً منها، فإن الخلاص يبقى كامنا في طاقة المحبة والحياة، ويمكن حتى آخر لحظة أستخدامها للخلاص من طاقة الهزيمة والموت. وهذا ما يسمى بإرادة الخير والحياة، وهي التي تخلق حالات الخلاص العجيبة من المشاكل والامراض ـ المعجزات ـ

اذا كان الله رب الكون والحياة وجميع الكائنات، فإنه قد منح كل انسان قدرة التحكم الذاتي بمصيره ليكون رب نفسه. نعم الله هو ربي، لكني أنا رب نفسي.

واذا كانت محبة الله هي درب الانسان من أجل بلوغ جنان السماء، فإن محبة الذات والناس والحياة هي درب الانسان من أجل بلوغ جنان الأرض.